اراء

الهروب أم التصعيد.. مفترق الطرق التكتيكي لترامب في الصراع الإيراني

بقلم: جاسم العزاوي

تبدو الحرب التي أعلن دونالد ترامب الانتصار فيها الشهر الماضي مختلفة تماماً من داخل أروقة البنتاغون؛ إذ أدى المأزق الناتج عنها إلى استنزاف المخزونات العسكرية الأمريكية، وجرّأ القادة الإيرانيين، وترك الولايات المتحدة أمام خيارات أسوأ بكثير مما كانت عليه قبل بدء الصراع. وقد أحدث التأطير الانتصاري للإدارة نغمة ممتعضة بين أولئك الذين أمضوا حياتهم المهنية في دراسة الجيش الإيراني وحدود القدرة الأمريكية على إسقاط القوة العسكرية.

إن إعلان النصر بينما العدو لا يزال واقفا على قدميه، ومسلحاً، ولا يزال يسيطر على الممر المائي الذي خضت الحرب من أجله، لا يُعد استراتيجية، بل هو أمنية مغلفة في ثوب بيان صحفي.

وفي قلب هذا المأزق يكمن مطلبان رفضتهما طهران بشكل قاطع ومستمر؛ إذ لن تتنازل إيران عما تعتبره حقها السيادي في تطوير برنامجها لليورانيوم، ولن تتخلى عن سيطرتها على مضيق هرمز. كانت هاتان النقطتان تشكلان الخطوط الحمراء لإيران قبل بدء القتال، وتظلان خطوطها الحمراء الآن، ولم يتغير أي شيء بينهما.

أما ما تغير فعلياً فهو “حسابات الذخيرة”. لقد دخلت الولايات المتحدة هذا الصراع بجيش بُني حول أنظمة أسلحة باهظة الثمن ومعقدة تكنولوجياً-وهي أدوات دقيقة يستغرق تصميمها سنوات، وتصنيعها سنوات أخرى، وقد جرى استهلاكها الآن بمعدل يعجز مجمع التصنيع العسكري الأمريكي عن تعويضه بسهولة. وفي المقابل، تعتمد إيران على شبكة موزعة من الزوارق الآلية الصغيرة، والألغام البحرية، والصواريخ البالستية التكتيكية، والأنظمة المسيرة. وتتميز هذه الأسلحة بأنها رخيصة، وبسيطة، ويسهل إنتاجها بكميات هائلة.

لقد نشرت الولايات المتحدة، في الجوهر، سيارة “فيراري” في حلبة مصارعة وتدمير السيارات (ديموليشن داربي) فلم يكن الإيرانيون بحاجة إلى تكنولوجيا متطورة، بل كانوا بحاجة فقط إلى حجم هائل ومتواصل من الأصول الأرخص ثمناً لإغراق الدفاعات وتجاوزها.

ومن جانبه، لم يُبدِ ترامب أي رغبة في تفهم الفروق الدقيقة؛ إذ قال لمؤيديه في تجمع حاشد في جورجيا: «لقد محونا قدراتهم العسكرية تماماً، لم يتبقَ شيء، صدقوني، لا شيء». إلا أن مخططي البنتاغون الذين يراجعون بيانات ساحة المعركة نفسها قد توصلوا إلى استنتاج مغاير تماماً.

لقد أسفرت الضربات الأمريكية عن نتائج متباينة؛ فإيران لا تمتلك أسطولاً بحرياً تقليدياً أو سلاح جو حديث بالمنظور الغربي، ولا ترتكز سيطرتها على المضيق على المدمرات أو أسراب المقاتلات، بل على نظام مرن وموزع من القدرات غير المتماثلة (حرب العصابات). وقد امتصت الأنظمة الإيرانية التي تشتتت في التضاريس الضرباتِ، وبدأت في إعادة بناء نفسها على الفور تقريباً. ويشير المحللون الدفاعيون إلى أن الإيرانيين قد تكيفوا بناءً على ما رصدوه، وعوضوا مخزوناتهم، وربما أصبحوا الآن في وضع أفضل مما كانوا عليه عند بدء الصراع.

وتزداد الصورة الاستراتيجية تعقيداً بسبب الضغوط السياسية التي شكلت القرار الأصلي بخوض الحرب؛ إذ يصف المحللون القرار بأنه كان مدفوعاً بالالتزامات المقطوعة للقيادة الإسرائيلية وللمانحين المؤثرين المؤيدين لإسرائيل -الذين كان دعمهم محورياً للتحالف السياسي لترامب- أكثر من كونه مدفوعاً بفرصة تكتيكية. وكانت النتيجة حملة عسكرية جُيرت لخدمة الجداول الزمنية السياسية بدلاً من المنطق العملياتي.

وقد وصف السيناتور تيم كين من فرجينيا، وهو عضو في لجنة القوات المسلحة، إدارة الصراع بأنها «دراسة حالة في كيفية عدم استخدام القوة العسكرية». وكان عضو الكونغرس الأمريكي النائب توماس ماسي من كنتاكي أكثر حدة قبل هزيمته في الانتخابات التمهيدية، حيث قال: “لقد دخلنا دون إعلان حرب، ودون هدف واضح، ودون استراتيجية خروج، والمطلوب منا الآن هو الاحتفال لأننا استهلكنا نصف مخزوننا من الصواريخ بينما لا يزال الإيرانيون في أماكنهم”.

ويضيف المشهد الإقليمي مزيداً من التعقيد؛ فالمملكة العربية السعودية وممالك الخليج الأصغر تدرك تماماً مدى انكشافها. إن أي ضربة إيرانية كبرى لمحطات النفط وتحلية المياه الفوق أرضية يمكن أن تعيق بشكل حاسم قدرة حكومات مجلس التعاون الخليجي على الحفاظ على الازدهار الاقتصادي. ولا رغبة لدول مجلس التعاون الخليجي في تصعيد يترك بنيتها التحتية الحيوية للمياه في حالة خراب؛ وبينما هم يؤيدون احتواء إيران، فإن منع نشوب حرب إقليمية يُعد مسألة بقاء محض بالنسبة لهم.

ويمتد الضرر الاستراتيجي الأوسع إلى ما هو أبعد من الخليج؛ فقد كشف الصراع، بوضوح مزعج، عن هشاشة النموذج العسكري الأمريكي الذي أعطى الأولوية للتعقيد النظري على حساب المتطلبات العملية للقتال المستمر. وقد ظهرت الآن نقطة الضعف في سلاسل توريد الصواريخ -والتي جرى التغاضي عنها طويلاً- باعتبارها القيد الرئيسي المفروض على الخيارات الأمريكية المستقبلية. ووفقاً للمسؤولين، فإن استعادة تلك القدرة ستتطلب سنوات من إعادة تجهيز البنية الصناعية.

لقد أدركت واشنطن أن إيران استوعبت تماماً نقاط الضعف الأمريكية، وصممت أنظمة غير متماثلة خصيصاً لاستنزاف أغلى القدرات الأمريكية بأرخص أصولها. هذا ليس تراجعاً مؤقتاً، بل هي أزمة هيكلية.

وفي الوقت الحالي، يبدو الرئيس ترامب عالقاً بين التكلفة السياسية للاعتراف بالمأزق، والمخاطر العسكرية لجولة ثانية من الضربات التي يشك البنتاغون نفسه في أنها قد تحقق نتائج مختلفة. إن التوقف العملياتي الحالي ليس ضرورة لوجستية، فالقوات منتشرة في الأمام ومستعدة؛ بل إن هذا التوقف هو بحث عن مبرر، وطريقة لاستئناف القتال لا تتطلب من البيت الأبيض تفسير سبب فشل المحاولة الأولى.

ووفقاً لمعظم المؤشرات، فإن هذا البحث لم يكلل بالنجاح بعد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى