اراء

عيد المقاومة .. لبنان في قلب التحولات الكبرى للمنطقة

بقلم: محمد الأيوبي..
في لحظات التحولات الكبرى، لا تعود الأعياد الوطنية مجرد مناسبات رمزية أو محطات احتفالية هامشية، بل تتحول إلى معارك على الذاكرة والمعنى والوعي السياسي. وهذا ما يجعل عيد المقاومة والتحرير في لبنان عام 2026 حدثًا يتجاوز البعد المحلي، ليصبح جزءًا من صراع إقليمي ودولي مفتوح على إعادة تشكيل موازين القوى في “الشرق الأوسط”.
فإذا كان تحرير جنوب لبنان عام 2000 قد مثّل أول هزيمة “إسرائيلية” مباشرة تُفرض بقوة المقاومة المسلحة ومن دون اتفاقات سياسية أو ترتيبات استسلام، فإن الذكرى السادسة والعشرين لهذا التحرير تأتي في سياق مختلف تمامًا: سياق حرب إقليمية ممتدة، وانكشاف غير مسبوق لطبيعة المشروع “الإسرائيلي”، ومحاولة أميركية لإعادة إنتاج الهيمنة على المنطقة بأدوات أكثر عنفًا ووضوحًا.
والمفارقة الأساسية هنا أن ما يجري اليوم لا يتعلق فقط بمستقبل الجنوب اللبناني، بل بمستقبل المنطقة كلها. فالحرب الحالية ليست نزاعًا حدوديًا تقليديًا بين لبنان و”إسرائيل”، بل هي جزء من معركة أوسع تدور حول شكل النظام الإقليمي المقبل: هل تنجح “إسرائيل” في فرض نفسها قوة مهيمنة مطلقة في “الشرق الأوسط”؟ أم أن محور المقاومة سيتمكن من منع هذا التحول وإعادة إنتاج توازنات جديدة؟
بهذا المعنى، يصبح عيد المقاومة والتحرير مناسبة سياسية وفكرية لفهم طبيعة المرحلة، لا مجرد استذكار لمحطة تاريخية مضت.
من تحرير الأرض إلى منع الهيمنة
عندما انسحبت “إسرائيل” من جنوب لبنان في أيار عام 2000، لم يكن الحدث مجرد انسحاب عسكري، بل مثّل انهيارًا كاملًا لنظرية “إسرائيلية” حكمت المنطقة لعقود، تقوم على أن التفوق العسكري “الإسرائيلي” كفيل بإخضاع المجتمعات العربية وكسر إرادة المقاومة فيها.
قبل ذلك التحرير، كان يُنظر إلى “إسرائيل” بوصفها قوة لا تُهزم، تمتلك احتكارًا شبه مطلق للقوة العسكرية والتكنولوجية والدعم الغربي. لكن المقاومة اللبنانية نجحت في تقويض هذه الصورة عبر نموذج مختلف للحرب: حرب الاستنزاف الطويلة، المبنية على الإرادة السياسية والصبر الاستراتيجي والقدرة على رفع كلفة الاحتلال تدريجيًا.
هذا النموذج لم يكن خطرًا على “إسرائيل” وحدها، بل على المنظومة الأميركية بأكملها. فالولايات المتحدة، التي خرجت من الحرب الباردة باعتبارها القوة المهيمنة الوحيدة في العالم، كانت تسعى في تلك المرحلة إلى إعادة تشكيل “الشرق الأوسط” وفق رؤيتها الخاصة، عبر تسويات سياسية تُنهي أي شكل من أشكال المقاومة المسلحة في المنطقة.
لكن تحرير جنوب لبنان جاء ليقول شيئًا مختلفًا تمامًا: إن الهيمنة ليست قدرًا، وإن القوى الصغيرة قادرة على إلحاق الهزيمة بمشاريع كبرى إذا امتلكت الإرادة والتنظيم والقدرة على الصمود.
ولهذا السبب تحديدًا، لم تتوقف محاولات القضاء على المقاومة اللبنانية منذ عام 2000 وحتى اليوم. فالمسألة بالنسبة للولايات المتحدة و”إسرائيل” لا تتعلق فقط بسلاح “حزب الله”، بل بالخطر الرمزي والسياسي الذي يمثله نجاح تجربة مقاومة استطاعت فرض الانسحاب “الإسرائيلي” بالقوة.
الحرب الحالية.. إعادة إنتاج مشروع الاحتلال
منذ اندلاع المواجهة الأخيرة في الجنوب اللبناني، ظهرت في الأوساط “الإسرائيلية” والغربية قراءة مفادها أن الظروف أصبحت مؤاتية لتصفية المقاومة اللبنانية أو على الأقل إضعافها بصورة جذرية.
استندت هذه القراءة إلى مجموعة من المتغيرات: الضربات العسكرية التي تعرض لها “حزب الله”، والتغيرات الإقليمية، وسقوط النظام السوري، والضغوط الاقتصادية على لبنان، ومحاولات إعادة تشكيل البيئة السياسية الداخلية بما يسمح بإنتاج سلطة أكثر انسجامًا مع الرؤية الغربية.
لكن هذه التقديرات كشفت سريعًا عن محدوديتها. فالمشكلة الأساسية في العقل الاستراتيجي “الإسرائيلي” تكمن دائمًا في الاعتقاد بأن التفوق العسكري وحده كافٍ لتحقيق الحسم السياسي.
هذا الوهم هو نفسه الذي قاد الولايات المتحدة إلى الفشل في فيتنام والعراق وأفغانستان، ويعود اليوم ليحكم المقاربة الأميركية -“الإسرائيلية” تجاه إيران، عبر الاعتقاد أن فائض القوة التكنولوجية والعسكرية يمكنه حسم الصراع مع دولة بنت، على مدى عقود، منظومة متكاملة للصمود والردع والحرب طويلة النفس.

وهو الوهم ذاته الذي جعل “إسرائيل” تعتقد أن تدمير البنية التحتية اللبنانية أو اغتيال القيادات العسكرية سيؤدي تلقائيًا إلى انهيار المقاومة.
غير أنّ ما حدث كان معاكسًا تمامًا. فقد أعادت المقاومة إدخال “عامل الكلفة” إلى الحسابات “الإسرائيلية”. بمعنى أنّ أي محاولة لإعادة احتلال الجنوب أو تثبيت وجود دائم فيه لم تعد عملية منخفضة المخاطر، بل مشروعًا مكلفًا بشريًا وعسكريًا وسياسيًا.
وهنا تظهر أهمية التحول في أدوات الحرب نفسها. ففي التسعينيات لعبت العبوات الناسفة والكمائن دورًا أساسيًا في استنزاف الاحتلال “الإسرائيلي”. أما اليوم، فإن الطائرات المسيّرة “الانقضاضية” تؤدي وظيفة أكثر تطورًا وخطورة، لأنها تجمع بين القدرة على الاستهداف والدقة والتوثيق الإعلامي.
ولم تعد “إسرائيل” قادرة على إخفاء خسائرها بسهولة كما في السابق، فكل عملية استهداف تتحول فورًا إلى مادة إعلامية تعيد إنتاج معادلة الردع النفسي والسياسي، وتمنع الاحتلال من تسويق تقدمه الميداني باعتباره إنجازًا استراتيجيًا حاسمًا.
وفي الحروب اللامتماثلة، لا يحتاج الطرف الأضعف إلى تحقيق انتصار عسكري شامل؛ يكفيه أن يمنع الطرف الأقوى من تحقيق أهدافه السياسية الكبرى. وهذه هي المعضلة الحقيقية التي تواجهها “إسرائيل” اليوم.
الجنوب اللبناني كساحة للصراع الدولي
الخطأ الشائع في قراءة ما يجري في لبنان هو التعامل معه باعتباره ملفًا محليًا منفصلًا عن التحولات الدولية الكبرى.
في الواقع، يشكل الجنوب اللبناني اليوم جزءًا من صراع أوسع بكثير يتعلق بمستقبل النفوذ الأميركي في “الشرق الأوسط”. فالحرب الحالية تتقاطع مع المفاوضات الأميركية – الإيرانية، ومع الصراع على الممرات البحرية والطاقة، ومع إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية.
من هنا، لا يمكن فهم الإصرار “الإسرائيلي” على مواصلة الحرب فقط من زاوية “الأمن الحدودي”، بل من زاوية مشروع أشمل يهدف إلى تثبيت تفوق “إسرائيلي” مطلق يسمح بإعادة رسم المنطقة سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا.
لقد كشفت حرب غزة، ثم الحرب الممتدة في لبنان، أن المشروع “الإسرائيلي” لم يعد يقتصر على إدارة الصراع مع الفلسطينيين، بل يتجه نحو صيغة أكثر راديكالية تقوم على فرض الهيمنة الإقليمية المباشرة. ولهذا السبب، يصبح الجنوب اللبناني نقطة مفصلية. فإذا نجحت “إسرائيل” في تحويله إلى منطقة خاضعة بالكامل، فإن ذلك سيعني عمليًا فتح الباب أمام مرحلة جديدة من الهيمنة “الإسرائيلية” على المنطقة.
أما إذا تحول هذا الجنوب إلى ساحة استنزاف طويلة الأمد، فإن المشروع “الإسرائيلي” سيتعرض لضربة استراتيجية حتى لو حقق إنجازات تكتيكية ميدانية مؤقتة. وهذا ما يفسر ارتباط الميدان اللبناني بالمفاوضات الإقليمية. فكل خسارة “إسرائيلية” في الجنوب تؤثر مباشرة على سقف الطموحات السياسية والعسكرية “الإسرائيلية”، وتفرض على الولايات المتحدة إعادة حساباتها.
المعركة على الوعي والذاكرة
لكن الحرب لا تُخاض بالسلاح فقط. فإلى جانب المعركة العسكرية، هناك معركة أخرى لا تقل خطورة: معركة الوعي والذاكرة الجماعية.
منذ سنوات، تعمل منظومة سياسية وإعلامية واسعة في لبنان والمنطقة على تفريغ فكرة المقاومة من معناها الأخلاقي والسياسي، وتحويلها إلى عبء يجب التخلص منه. هذه المنظومة لا تكتفي بانتقاد الأداء السياسي أو العسكري للمقاومة، بل تسعى إلى ضرب الفكرة نفسها: فكرة أن الشعوب قادرة على مقاومة الاحتلال والانتصار عليه.
ولهذا السبب، يصبح عيد المقاومة والتحرير هدفًا مباشرًا لهذه الحملات. فالمطلوب ليس فقط التشكيك بجدوى المقاومة، بل محو الرمزية التي يمثلها التحرير نفسه. يُطرح السؤال دائمًا حول “كلفة المقاومة”، لكن من دون طرح السؤال المقابل: ما كلفة الاستسلام؟
هذا النوع من الخطاب ليس جديدًا. لقد رافق كل حركات التحرر في العالم تقريبًا. ففي فرنسا خلال الاحتلال النازي، وُصفت المقاومة بأنها مغامرة غير مسؤولة. وفي الجزائر، جرى اتهام المقاومين بأنهم سبب العنف والدمار. وفي فلسطين، لا يزال يُطلب من الضحية دائمًا أن تتخلى عن حقها في المقاومة باسم “الواقعية”.
والمشكلة الأساسية في هذا الخطاب أنه يتجاهل طبيعة القوة الاستعمارية نفسها. فالاستعمار لا يتوقف بسبب حسن النيات أو التنازلات الأخلاقية، بل عندما تصبح كلفته أعلى من فوائده. وهذا ما أثبتته كل تجارب التحرر في العالم.
السيادة كفعل مقاومة لا كخطاب سياسي
لم تعد الأزمة اللبنانية الراهنة مجرد خلاف داخلي حول الخيارات السياسية أو طبيعة التوازنات الحكومية، بل تحولت إلى سؤال وجودي يتعلق بمفهوم السيادة نفسه: من يملك القرار في لبنان؟ ومن يحدد موقعه داخل الصراع الإقليمي الدائر؟
في هذا السياق، جاءت مواقف الأمين العام الشيخ نعيم قاسم لتعبّر عن لحظة سياسية مفصلية، تقوم على إسقاط المنطقة الرمادية التي حاولت قوى لبنانية عديدة الاحتماء بها لسنوات طويلة. فالمعادلة التي تطرحها المقاومة اليوم لا تقوم على الفصل بين السيادة والمواجهة، بل على اعتبار أنّ استقلال الدول الصغيرة لا يُصان عبر التكيّف مع موازين القوة المفروضة خارجيًا، وإنما عبر امتلاك القدرة على الردع ومنع الهيمنة.
ومن هنا، تبدو فكرة “التحرير الثالث” تعبيرًا عن مرحلة تتجاوز تحرير الأرض بمعناه العسكري المباشر، نحو محاولة تحرير القرار السياسي اللبناني نفسه من منظومات الضغط الخارجي والوصاية الدولية والإقليمية. فالصراع لم يعد فقط على الحدود الجنوبية، بل على طبيعة الدولة اللبنانية ودورها ووظيفتها في “الشرق الأوسط الجديد” الذي يجري العمل على تشكيله.
وفي مقابل خطاب يدعو إلى الاستسلام تحت شعارات “الواقعية السياسية” و”خفض الخسائر”، تحاول المقاومة ترسيخ سردية مضادة مفادها أنّ الكلفة الكبرى لا تكمن في المواجهة، بل في القبول التدريجي بفقدان السيادة وتحويل لبنان إلى مساحة خاضعة للإملاءات الخارجية.
ولذلك، فإن الإصرار على إعادة البناء، والتمسك بخيار المواجهة رغم حجم الدمار والتضحيات، لا يُقدَّم بوصفه موقفًا عاطفيًا أو أيديولوجيًا فقط، بل باعتباره جزءًا من معركة تاريخية تهدف إلى منع إخضاع لبنان وإعادة دمجه ضمن منظومة الهيمنة الأميركية -“الإسرائيلية” في المنطقة.
لماذا تخشى “إسرائيل” رمزية التحرير؟
الخطر الحقيقي الذي يمثله عيد المقاومة والتحرير بالنسبة لـ”إسرائيل” ليس في الاحتفال نفسه، بل في الرسالة التاريخية التي يحملها. فالتحرير عام 2000 أثبت أن “إسرائيل” يمكن أن تُهزم، وأن تفوقها العسكري ليس مطلقًا، وأن المجتمعات العربية ليست محكومة بالاستسلام الدائم.
ولهذا السبب، تحاول المنظومة “الإسرائيلية” والغربية باستمرار إعادة كتابة التاريخ بطريقة تجعل التحرير يبدو وكأنه حدث هامشي أو غير ذي قيمة استراتيجية.
لكن الوقائع تقول العكس تمامًا. فالانسحاب “الإسرائيلي” من جنوب لبنان شكّل بداية مرحلة جديدة في المنطقة، تراجعت فيها قدرة “إسرائيل” على فرض إرادتها بالقوة المباشرة كما في السابق.
بل يمكن القول إن ما جرى في لبنان عام 2000 كان أحد العوامل التي ساهمت لاحقًا في تصاعد أزمات المشروع الأميركي في المنطقة، من العراق إلى أفغانستان، وصولًا إلى التراجع النسبي للهيمنة الأميركية العالمية، خصوصًا بعد عدوانها على إيران.
ولهذا تحديدًا، يُنظر إلى المقاومة اللبنانية باعتبارها خطرًا يتجاوز حدود لبنان نفسه، لأنها تمثل نموذجًا مضادًا لفكرة السيطرة المطلقة التي تحاول الولايات المتحدة فرضها عالميًا.
لبنان في قلب التحولات الكبرى
ما يجعل المرحلة الحالية أكثر خطورة هو أنّ المنطقة كلها تمر بعملية إعادة تشكيل تاريخية. فالنظام الإقليمي الذي نشأ بعد الحرب الباردة يتعرض اليوم لتصدعات عميقة. النفوذ الأميركي لم يعد مطلقًا كما كان، والصين وروسيا تحاولان توسيع حضورهما الدولي، وإيران تحولت إلى لاعب إقليمي يصعب تجاهله، فيما تعيش “إسرائيل” تناقضًا داخليًا بين تفوقها العسكري وأزمتها السياسية والاجتماعية المتفاقمة.
وفي قلب هذه التحولات يقف لبنان مجددًا. قد يبدو هذا البلد الصغير منهكًا اقتصاديًا وسياسيًا، لكنه لا يزال يشكل عقدة جيوسياسية أساسية في “الشرق الأوسط”، لأن الصراع فيه يتجاوز حدوده الضيقة ليعكس طبيعة التوازنات الإقليمية والدولية.
ولهذا السبب، لا يمكن النظر إلى المعركة في الجنوب فقط بوصفها مواجهة عسكرية محلية، بل إنها جزء من صراع عالمي أوسع بين مشروعين: مشروع الهيمنة المطلقة، ومشروع مقاومة هذه الهيمنة ومنعها من التحول إلى قدر دائم.
عيد يتجاوز الجغرافيا
في النهاية، لا تكمن أهمية عيد المقاومة والتحرير فقط في استذكار حدث وقع قبل ستة وعشرين عامًا، بل في كونه يعيد طرح السؤال الأساسي الذي تحاول القوى المهيمنة طمسه دائمًا: هل تستطيع الشعوب الصغيرة تغيير مسار التاريخ؟
التجربة اللبنانية تقول نعم. فقد أثبت تحرير عام 2000 أنّ الاحتلال ليس قدرًا أبديًا، وأن التفوق العسكري لا يكفي وحده لإخضاع الشعوب.
أما معركة 2026، فهي تضيف بعدًا جديدًا لهذه التجربة: أنّ المقاومة لم تعد فقط مشروعًا لتحرير الأرض، بل مشروعًا لمنع إعادة تشكيل المنطقة وفق شروط الهيمنة “الإسرائيلية” – الأميركية.
بهذا المعنى، يصبح عيد المقاومة والتحرير أكثر من مناسبة وطنية لبنانية. إنه لحظة سياسية وفكرية تكشف طبيعة الصراع الحقيقي في “الشرق الأوسط”، وتعيد التذكير بأن معركة الشعوب ليست فقط على الأرض، بل أيضًا على الذاكرة والمعنى والحق في رفض الخضوع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى