الاتحادات الرياضية.. الاستقلالية والفوضى

باسل العبيدي..
بعد فشل التغيير التنظيمي في هيكلية مؤسستنا الرياضية، باتحاداتها وأنديتها إداريًا وماليًا وفنيًا، لا بدّ من الوقوف مليًا أمام الأسباب الحقيقية التي أوصلت الرياضة العراقية إلى هذا الواقع المتراجع، بعيدًا عن المجاملات والتبريرات التي لم تعد تقنع الشارع الرياضي.
ويحدث فشل التغيير التنظيمي عندما تعجز المؤسسات عن تكييف استراتيجياتها وهياكلها مع بيئة العمل ومتطلباتها المتغيرة، وغالبًا ما تعود الأسباب الجذرية لذلك إلى ضعف التواصل، وغياب الرؤية القيادية الموحدة، وعدم معالجة المخاوف والتحديات بصورة واقعية ومدروسة.
ولا أحد يختلف على أن التغيير الذي طرأ في السنوات الأخيرة على آلية إدارة أنديتنا واتحاداتنا الرياضية ماليًا وإداريًا وفنيًا قد أحدث فجوة كبيرة مقارنة بما كانت عليه الأمور سابقًا، حين كانت الأندية تُدار بإشراف مباشر من وزارة الشباب والرياضة، بينما كانت الاتحادات الرياضية تخضع إداريًا وماليًا وفنيًا لإشراف اللجنة الأولمبية، إذ كانت هاتان المؤسستان تمثلان العمود الفقري للرياضة العراقية، وتداران بتنظيم واضح أسهم، على مدى عقود طوال، في تحقيق نجاحات رياضية وإدارية ومالية ملموسة انعكست على واقع الألعاب الرياضية ونتائجها.
أما اليوم، فإن من أبرز الأسباب التي أسهمت في فشل هذا التغيير التنظيمي ضعف التواصل والتنسيق والتعاون بين وزارة الشباب والرياضة واللجنة الأولمبية، ما خلق حالة من التخبّط وعدم وضوح المسؤوليات، إلى جانب الحرية المفرطة والمال السائب الذي مُنح للأندية والاتحادات من دون وجود رقابة حقيقية أو محاسبة فاعلة، فضلاً عن آلية تشكيل الهيآت العامة والصلاحيات الكبيرة التي مُنحت لها من دون ضوابط دقيقة تحافظ على المسار المؤسسي الصحيح.
كما أسهمت القرارات الارتجالية وتأثير العلاقات الشخصية والخاصة في صناعة القرار الرياضي، وسيطرة الإعلام المتلوّن الذي ابتعد عن النقد الموضوعي وكشف مواطن الخلل مقابل انحسار دور الإعلام الرياضي المهني، فضلاً عن غياب الرقابة الحكومية الحقيقية وعدم تطبيق مبدأ الثواب والعقاب داخل المؤسسات الرياضية، وضعف دور اللجان القضائية والانضباطية في تطبيق القوانين ومحاسبة المتجاوزين إداريًا وماليًا.
ومن المؤسف القول، إن إعادة مؤسستنا الرياضية إلى ما كانت عليه تبدو اليوم مهمة صعبة، لكنها ليست مستحيلة إذا توفرت الإرادة الحقيقية للإصلاح، واستُفيد من التجارب والدراسات الحديثة الخاصة بإدارة التحوّل المؤسسي.
ولعل من أهم الاستراتيجيات التي يمكن أن تسهم في تجاوز هذا الفشل وتحقيق النجاح بناء تحالف قيادي قوي يوحد الرؤى بين الجهات الرياضية كافة، ويعمل وفق أهداف واضحة ومحددة، مع صياغة رؤية واضحة للتغيير وإيصالها إلى جميع المفاصل الرياضية بصورة مبسطة وشفافة، فضلاً عن إدارة مقاومة التغيير باحترافية من خلال الإنصات لمخاوف العاملين، وتوفير برامج تدريب وتأهيل مناسبة لهم، وإشراكهم في صناعة القرار.
كما أن تهيئة البيئة التنظيمية عبر إزالة العوائق والهياكل القديمة التي تتعارض مع أي مشروع إصلاحي جديد، واعتماد مبدأ التقييم المستمر ووضع آليات رقابية حقيقية لقياس الأداء، مع تعزيز النجاحات المرحلية للحفاظ على الاستقرار والتحفيز، تمثل خطوات ضرورية لإنقاذ واقعنا الرياضي.
إن رياضتنا اليوم بحاجة إلى مراجعة شاملة وجادة تبدأ من إعادة تنظيم البيت الرياضي على أسس مهنية حقيقية، بعيدًا عن المصالح والعلاقات الضيقة، إذا ما أردنا استعادة مكانة الرياضة العراقية وهيبتها التي افتقدناها منذ سنوات طوال.



