اراء

الصين.. هل تنجح رؤية النقاط الأربع بوقف التصعيد في المنطقة؟

بقلم: شاهر الشاهر..

تقديم الصين مبادرة النقاط الأربع يعكس رغبة عميقة في تعزيز نفوذها الدولي، مع التركيز على دورها كفاعل إيجابي يختار لغة الحوار والتفاهم بدلاً من التصعيد، في ظل تزايد التحديات الأمنية والاقتصادية التي تواجه المنطقة. كما أن المبادرة تنسجم مع توجهات الصين لتعزيز استراتيجيتها في الشرق الأوسط، مستهدفة حل الأزمات المحلية والإقليمية بطرق متناغمة مع مصالح جميع الأطراف.

لم تتغير الحسابات الصينية، لكن المخاطر على المصالح الصينية في المنطقة تغيرت، وهو ما دفع بكين إلى تغيير نبرة خطابها السياسي.

قرار الرئيس ترامب بفرض حصار على الموانئ الإيرانية لم يعد شأناً إيرانياً فقط، بل تحول إلى مواجهة غير مباشرة مع الصين لأنها المتضرر الأكبر.

لم يعد السؤال هل تتحدى الصين أميركا بل هل العالم يستعد لما بعد الهيمنة الأميركية، خصوصاً أن صعود الصين أصبح حقيقة على الولايات المتحدة أن تتعامل معها بواقعية باعتبارها جزءاً من ترتيبات المرحلة الانتقالية نحو نظام عالمي جديد.

ترغب الصين في لعب دور “جيو اقتصادي” أكثر مما هو “جيو سياسي”، فهي تاجر لا يرغب في تحقيق أهداف استراتيجية أو الغوص في إعادة ترتيبات المنطقة، لكنها معنية بالحفاظ على مكانتها كلاعب أساس فيها. بمعنى أن السياسة الصينية في المنطقة تركز على “إدارة المخاطر” أكثر مما هي سياسة “جيوسياسية” في المنطقة.

الحديث الأميركي عن “تورط الصين” في دعم إيران عسكرياً لم يعد مقبولاً من قبل بكين، التي ترى أنها باتت اليوم دولة قادرة على صياغة رؤيتها الاستراتيجية، والتصرف وفقاً لتلك الرؤية. ففي الوقت الذي تتسارع فيه الأزمات، طرحت بكين رؤية تقوم على أربع نقاط، لا تمثل تفصيلاً في السياسة بقدر ماهي محاولة لإعادة ضبطها. سيادة تُحترم من دون استثناء، وتعايش لا يفرض بمنطق القوة، وإعلاء للقانون الدولي باعتباره مرجعية لا تتغير، وتوازن دقيق بين الأمن والتنمية بحيث لا يسبق أحدهما الآخر بل يكتمل به. بهذه المعادلة تحاول الصين أن تقدم مقاربة مختلفة تنقل الصراع من ساحات المواجهة إلى مساحات التفاهم.

قد تبدو بنود المبادرة أقرب إلى المبادئ والأفكار العامة، لكنها في الحقيقة تُعيد الأمور إلى نصابها، خصوصاً أنَّ النظام الدولي الذي نعرفه تم تهشيمه وبات شيئاً من الماضي.

وجود قوى دولية كبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا في الشرق الأوسط قد يشكل عقبة أمام نجاح المبادرة الصينية، إذ قد تسعى هذه القوى إلى حماية مصالحها الخاصة، أو العمل على إفشال أي نجاح صيني محتمل.

فالولايات المتحدة قد ترى في المبادرة الصينية تحدياً لنفوذها التقليدي في الشرق الأوسط. ومن المتوقع أن تسعى واشنطن إلى حماية مصالحها الاستراتيجية في المنطقة من خلال تعزيز علاقاتها مع حلفائها التقليديين مثل “إسرائيل” والسعودية. قد تتبنى الولايات المتحدة نهجاً مزدوجاً، يجمع بين الترحيب بالمبادرات السلمية وبين الحذر من تنامي النفوذ الصيني.

أما روسيا فبدت أنها المستفيد الأكبر من هذه الحرب التي خففت الضغوطات عليها في أوكرانيا وسمحت لها باستئناف تصدير النفط والغاز، وبالتالي تحسين وضعها الاقتصادي والسياسي.

إسرائيل” قد تنظر إلى المبادرة الصينية بعين الريبة، خاصةً إذا شعرت بأنها قد تؤثر على دعم الولايات المتحدة لها في القضايا الأمنية. ومع ذلك، فقد تسعى “إسرائيل” إلى الاستفادة من التعاون الاقتصادي مع الصين، خاصةً في مجالات التكنولوجيا والابتكار.

إيران قد ترحب بالمبادرة الصينية كجزء من استراتيجيتها لكسر العزلة الدولية المفروضة عليها. فالعلاقات الجيدة بين الصين وإيران قد تعزز موقف إيران في مواجهة الضغوط الغربية. لكن في الوقت نفسه، ستظل إيران حذرة من أية محاولات للحد من مكانتها ونفوذها الإقليمي.

بعض دول المنطقة قد تنظر بحذر إلى المبادرة الصينية خوفاً من أن تكون جزءاً من استراتيجية أكبر لتعزيز النفوذ الصيني على حساب استقلالها أو بقاء النظم الحاكمة فيها والمرتبطة بالولايات المتحدة الأميركية وبشكل مباشر.

قد لا تشكل مبادرة النقاط الأربع حلاً سحرياً لكنها تطرح سؤالاً مختلفاً في منطقة اعتادت على الإجابات المتكررة، هل يمكن بناء توازن لا يقوم على الهيمنة؟ فالمبادرة خطوة جريئة ومهمة في محاولة تهدئة الشرق الأوسط. لكن نجاحها يعتمد على كيفية تعامل الصين مع التعقيدات السياسية والثقافية في المنطقة، وكذلك على موقف الدول الكبرى الأخرى. فبينما تمتلك الصين بعض نقاط القوة التي تدعم مبادرتها، فإن التحديات والشكوك الإقليمية قد تصعّب عليها تحقيق أهدافها. في النهاية، يبقى مستقبل الشرق الأوسط معتمداً على التعاون الدولي والقدرة على بناء السلام من خلال الحوار والتفاهم المتبادل.

نجاح المبادرة يتوقف على مدى قدرتها على تجاوز العقبات السياسية والبيروقراطية، وعلى مدى تفاعل الأطراف المعنية بشكل إيجابي مع ما تطرحه من مقترحات تُعدّ فرصة لتخفيف حدة التوترات، وإعادة بناء الثقة بين الفاعلين الإقليميين والدوليين. كما أن هذا النهج يواجه تحديات كبيرة تتعلق بمصداقيته، إذ إن نجاحه يتطلب تطابقاً كاملاً بين الأهداف الصينية والمصالح الوطنية والإقليمية القائمة، بالإضافة إلى ضمان عدم استغلال المبادرة من قبل قوى خارجية لتحقيق مصالحها الخاصة على حساب المنطقة. لذا، فإن فهم المقومات الأساسية لهذه الرؤية وتحليلها أمر حساس، ويجب أن يُبنى على أسس من التعاون الحقيقي والثقة المتبادلة، بعيداً عن الانزلاق إلى مساومات قد تهدد استقرار المنطقة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى