ترامب والفاتيكان.. هل يمكن للبابا أن يهز شرعية الحكم؟

بقلم: ليلى نقولا..
شهد شهر نيسان 2026 تصعيداً غير مسبوق في التوتر بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والكرسي الرسولي، عقب انتقادات علنية وجّهها البابا لاوون الرابع عشر للحرب الأمريكية ضدّ إيران، ولخطاب ترامب الذي هدّد بـ”تدمير حضارة كاملة”، وهو ما وصفه البابا صراحة بأنه “غير مقبول أخلاقياً” ويتعارض مع مبادئ السلام والقانون الدولي. ردّ الرئيس دونالد ترامب على هذه التصريحات بهجوم شخصي مباشر، واصفاً البابا بأنه “ضعيف على الجريمة” ويؤيّد امتلاك إيران السلاح النووي وغيرها.
وتزامن هذا السجال العلني مع تقارير صحفية سابقة -تمّ نفيها لاحقاً- أفادت أنّ اجتماعاً مغلقاً حصل في كانون الثاني 2026 بين مسؤولين في البنتاغون ومبعوث الكرسي الرسولي في واشنطن، حيث نُقل أنّ مسؤولي البنتاغون وجّهوا تحذيرات قاسية للكنيسة من الاستمرار في انتقاد السياسة العسكرية الأمريكية.
هذا الصراع الخفي الذي ظهر الى العلن عبر تغريدات هجومية للرئيس دونالد ترامب، ودعوة نائبه جي دي فانس للبابا إلى عدم التدخّل في الشؤون الأمريكية، تعيد إلى الأذهان دور البابا يوحنا بولس الثاني في بولندا وأوروبا الشرقية أواخر الحرب الباردة، ومساهمته في إسقاط الشيوعية.
دور يوحنا بولس الثاني في إسقاط الشيوعية
يميل عدد من المؤرّخين، إلى رفض السرديات التي تنسب سقوط الشيوعية إلى فاعل واحد أو حدث واحد، لكنهم يشيرون الى دور ما للبابا يوحنا بولس الثاني، تمّثل في نزع الشرعية الأخلاقية عن النظام.
انتُخب “يوحنا بولس الثاني” بابا للكنيسة الكاثوليكية في تشرين الأول 1978، ليكون أول بابا غير إيطالي منذ أكثر من أربعة قرون، وأول بابا ينحدر من دولة خاضعة لحكم شيوعي هي بولندا. حمل هذا الحدث في حدّ ذاته معنى رمزياً عميقاً في سياق الحرب الباردة، إذ كسر احتكار الغرب الرأسمالي للقيادة الكنسية، وفتح الباب أمام مقاربة داخلية لتجربة العيش تحت الشيوعية.
تُجمع الأدبيات التأريخية على أنّ زيارة يوحنا بولس الثاني إلى مسقط رأسه في بولندا في حزيران 1979 شكّلت نقطة تحوّل نفسية-اجتماعية حاسمة ضمن التطوّرات اللاحقة في الاتحاد السوفياتي.
لم تتضمّن خطب البابا دعوات لإسقاط النظام، ولم يهاجم الشيوعية كأيديولوجيا بشكل مباشر، بل انحصر تركيزه على كرامة الإنسان، والضمير، والذاكرة الوطنية البولندية.
مهّدت زيارة البابا الأولى نفسياً وسياسياً لظهور حركة “تضامن” بعد عام واحد، بوصفها حركة اجتماعية-نقابية في بولندا. تلك الزيارة والزيارات اللاحقة، أدّت إلى نتيجة جوهرية: تفكيك الإحساس الجمعي بالعجز والخوف الذي شكّل إحدى ركائز الحكم الشيوعي.
وهكذا، ومنذ لحظة تحوّل الشيوعية، في الوعي الجمعي، من “نظام لا بديل عنه” إلى نظام يحتاج تبريراً أخلاقياً ولا يملكه، بدأ مسار التآكل الذي انتهى بانهيارها في بولندا، ثمّ بسلسلة تفاعلات أدّت الى “دومينو” في أوروبا الشرقية، وصولًا إلى إضعاف المركز السوفياتي نفسه.
البابا ونزع الشرعية الأخلاقية عن سياسات ترامب
يستند البابا لاوون الرابع عشر، في توصيفه للحرب ضدّ إيران بأنها “غير عادلة”، إلى تقاليد راسخة في الفكر المسيحي المستندة من القديس أوغسطين وتوما الأكويني حول مبادئ وشروط “الحرب العادلة”، والتي تشترط مبدأ الدفاع الضروري عن النفس، والتناسب، واحترام المدنيين، والإطار القانوني الدولي.
وعلى الرغم من أنّ البابا الحالي يعمل في سياق سياسي مختلف عن الاتحاد السوفياتي، غير أنّ جوهر الفعل البابوي، من حيث الآلية، يظلّ متشابهاً: إعادة مساءلة الأساس الأخلاقي الذي تُبرَّر به أفعال الدولة.
لا شكّ أنّ هناك تبايناً جوهرياً بين بنية الاتحاد السوفياتي كونه نظاماً شمولياً مغلقاً، وبين الولايات المتحدة بوصفها ديمقراطية دستورية، إلا أنّ التحدّي الحالي يكمن في النزوع السلطوي للرئيس ترامب.
فبينما استندت السوفياتية إلى قبضة الحزب الواحد، يعتمد ترامب في عام 2026 على تعزيز السيطرة على مفاصل القرار عبر أغلبية موالية في الكونغرس بمجلسيه، ممارساً ضغوطاً لتمرير سياسات خارجية وعسكرية تفتقر إلى الإجماع الداخلي والشرعية الدولية.
وهنا، تبرز حركة “ماغا” (MAGA) كقاعدة جماهيرية تتعامل مع ترامب “كزعيم ملهم” يتجاوز المؤسسات التقليدية، مما يجعل معارضة البابا لاوون الرابع عشر مواجهة مع ظاهرة “شعبوية عابرة للمؤسسات” تحاول إعادة صياغة المبادئ الأمريكية والقيم العالمية وفق رؤية أحادية.
بالتالي، إنّ التفسير المنطقي لردود فعل الرئيس ترامب ضدّ البابا، قد تشير الى خشية من قيام البابا الحالي بتحويل مشروعه الخارجي إلى عبء أخلاقي يصعب الدفاع عنه على المدى المتوسط والطويل. وهذا يفسّر حدّة اللغة المستخدمة، ومحاولة تصوير البابا بوصفه “خصماً سياسياً” في الداخل الأمريكي لا سلطة أخلاقية كونيّة.
في النتيجة، تُظهر المقارنة بين البابا يوحنا بولس الثاني والبابا لاوون الرابع عشر أنّ قوة الفعل الديني في السياسة لا تكمن في التأثير المباشر، بل في تفكيك الأسس الأخلاقية التي تستند إليها السلطة لتبرير أفعالها خاصة تلك التي لا تستند الى أسس قانونية أو أخلاقية. وعليه، إنّ ردود الفعل العنيفة على خطاب البابا لاوون الرابع عشر قد تشير إلى إدراك داخل إدارة ترامب، أنّ نزع الشرعية الأخلاقية عن مشروع سياسي ما قد يكون، تأريخياً، أخطر من المواجهة السياسية المباشرة.



