التحولات الاستراتيجية في اليوم التالي للحرب على إيران

بقلم: وسام أبو شمالة..
مع دخول الأسبوع السادس للحرب على إيران، فإن ما قدرناه سابقاً قبل بدء الحرب، أصبح على مرأى ومسمع العالم أجمع، فالحرب لم تكن خاطفة وحاسمة وسريعة كما أرادها الثنائي دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، ولم تحقق الضربة الأولى للقيادة الإيرانية، تغييراً في النظام، ولا حتى فراغاً قيادياً، كما لم يتحرك الشارع الإيراني ضده، بل كان تحركاً واسعاً ضد العدوان، وبعدما كان الهدف من الحرب إسقاط النظام تحول لاستعادة فتح مضيق هرمز الذي كان مفتوحاً قبل الحرب، وبدلاً من مساعي الولايات المتحدة و”إسرائيل” لتدشين الحسم السريع لإيران كبداية لإطباق الهيمنة العالمية والإقليمية، يبدو أن الحرب الجارية قد تسجل كنقطة تحول في انحدار “الإمبراطورية” الأميركية ووكلائها في المنطقة، لا سيما الوكيل الإسرائيلي.
إن الحرب الجارية ليست مواجهة محدودة، كما ظن مُسعِرُو الحرب في واشنطن و”تل أبيب”، بل ستكون لها تداعيات إقليمية وعالمية واسعة، فإلى جانب البعد العسكري المباشر للحرب، فإن نتائج الحرب ستنعكس على ميزان القوى في “الشرق الأوسط”، والسيطرة على طرق التجارة والطاقة، وعلى تشكيل النظام العالمي في ضوء التنافس الحميم بين القوى الكبرى.
في هذه المواجهة، استهدف العدوان الصهيوأميركي قدرات عسكرية لإيران، ولا يعرف حجم الضرر الذي أصابها، بيد أن استمرار القوات الإيرانية في استهداف المواقع الأميركية والإسرائيلية (على بعد نحو 2000 كلم)، بالصواريخ البالستية والمسيرات العسكرية، واختراق عدد منها كافة منظومات الإنذار والتصدي والدفاع الجوي، وإصابة وتدمير العديد من الأهداف، يدحض السرديتين الأميركية-الإسرائيلية في التدمير شبه الكلي للقدرات الصاروخية الإيرانية، كما أن إسقاط الدفاعات الجوية الإيرانية لعدد من الطائرات الأميركية، ينفي الادعاءات بالسيطرة على المجال الجوي الايراني، كما أن التحكم الإيراني في حركة السفن عبر مضيق هرمز يشكك في رواية ترمب حول تدمير الأسطول البحري الإيراني.
تسعى الولايات المتحدة و”إسرائيل” لترسيخ تحولات استراتيجية في اليوم التالي للحرب على إيران، ففي ضوء التنافس الأميركي مع الصين وروسيا، والمصالح الإستراتيجية والاقتصادية التي تربط الدولتين بإيران، وبشكل خاص في مجالي الطاقة والتعاون العسكري؛ فإن الولايات المتحدة، ترى في المواجهة مع إيران ليست مسألة إقليمية فحسب، بل جزءاً من صراع أوسع على قيادة النظام العالمي، الأمر الذي يعني أن نتائج الحرب ستؤدي إلى تراجع الهيمنة العالمية الأميركية في حال فشلت الأخيرة في هزيمة إيران، وتعزيز القوتين العالميتين، روسيا والصين، والقوة الإقليمية لإيران في حال نجحت الأخيرة في كسر الإرادة الأميركية وإجهاض أهدافها، بيد أن الهدف الرئيس لـ “إسرائيل” يتمثل في تدمير القدرات النووية الإيرانية، ومنظومة الصواريخ الباليستية، وكسر التحالف مع محور المقاومة، وذلك عبر إسقاط النظام الإيراني أو تفكيك الدولة الإيرانية وتحويلها لدولة فاشلة.
إن “إسرائيل ” ترى أن عدم إسقاط النظام الإيراني، يعني بقاء التهديد قائماً مع بقاء النظام الذي سيسعى لاستعادة قدراته وتطويرها في ضوء التجربة العسكرية وربما يغير المرشد الخامنئي الابن فتوى أبيه، ويبيح إنتاج قنابل نووية.
ترى الولايات المتحدة الحرب من منظور أوسع، من الرؤية الإسرائيلية الأمنية، من خلال السعي لاستبدال نظام إيراني معادٍ لها، لنظام موالٍ، بصرف النظر عن أيديولوجيته، ولا ضير لو كان من المحسوبين على النظام، على غرار التجربة الفنزويلية، فالأهم ليس من يستجيب للمصالح الأميركية، بل أن يتم انفاذها بشكل أساس، وفي الحالة الإيرانية فإن إبعاد إيران عن الشراكة الصينية والروسية، لا يتم إلا بتغيير موقع إيران في النظام الدولي؛ من نظام يسعى لتطوير شراكته مع الصين وروسيا إلى نظام يندمج في النظام الاقتصادي والسياسي الذي تقوده الولايات المتحدة، ولتحقيق ذلك، تظن الولايات المتحدة أن الانتقال من مرحلة تدمير المقدرات العسكرية الإيرانية إلى مرحلة تالية تستهدف الاقتصاد الإيراني بكل مكوناته قد تدفع النظام الإيراني إلى الاستسلام من دون شروط، بيد أن المؤشرات لا تتجه وفق الظنون الأميركية، وعلى الأرجح فإن إيران ستخوض معركة استنزاف طويلة ولا تضع في سلة خياراتها الاستسلام.
أرادت الولايات المتحدة و”إسرائيل” تحقيق تحولاً استراتيجياً لصالحهما بعد حسم سريع للحرب، يتم فيه استبدال النظام الإيراني بنظام صديق، يبتعد فيه عن روسيا والصين ويقترب من نظام عالمي تهيمن فيه الولايات المتحدة، وتصبح “إسرائيل” جزءاً مركزياً من نظام إقليمي تحظى بالنفود الأوسع والمكانة الأكبر في “الشرق الأوسط ” بيد أن النموذج الإيراني في الصمود والدفاع والهجوم والقدرة على التحكم والسيطرة، والدعم الشعبي للنظام، أجهض الأهداف الصهيوأميركية، وأجهض معها رؤيتها لليوم التالي للحرب، الأمر الذي قد يدفع ترامب لأحد خيارين: الأول أن يدعي “النصر” من دون تغيير جوهري، ويسحب قواته، وتبقى “إسرائيل” وحدها في حرب استنزاف مع إيران ولبنان واليمن وجبهات أُخرى، والثاني أن تدخل الولايات المتحدة و”إسرائيل” من جهة وإيران وحلفاؤها من جهة أخرى، في حرب استنزاف طويلة، ويبقى مضيق هرمز مغلقاً، وتُستهدف منشآت الطاقة، ما سيؤدي إلى انعكاسات اقتصادية كبيرة، ترفع مستوى التدخل الإقليمي والدولي في الحرب بأشكال مختلفة.



