اراء

التحالف الأطلسي عند نقطة الانكسار.. من وحدة القرار إلى ازدواجية المسار

حسام حمزة..

في السادس والعشرين من آذار الجاري، وقف الرئيس الأمريكي أمام مجلس الوزراء في البيت الأبيض ليعلن أنّ رفض حلف شمال الأطلسي التعاون مع “العمليات الأمريكية في إيران” ـ-على حد تعبيره- كان اختباراً للحلف، مؤكّداً أنّ ذاكرته ستظل تستحضر موقف الحلفاء هذا. ثم جاءت تصريحاته في منصة تروث سوشال لتكشف أن وخز ما اعتبره ترامب طعنة لبلده كان شديداً عليه حين ردّ على حلفائه بقوله: “الولايات المتحدة لا تحتاج أيّ شيء من الناتو ولن تنسى“.

الجذور التراكمية لأزمة الثقة الأطلسية: من غرينلاند إلى هرمز

يتعذر فهم التوترات التي أفرزها الغلق الجزئي لمضيق هرمز بمعزل عن السياق التراكمي الذي سبقها، ذلك أن المشهد الحالي ليس سوى نتاج ثلاثة ملفات متشابكة، سبقت أزمة هرمز، أضعفت الثقة بين ضفتي الأطلسي تدريجياً قبل أن تصل الأمور إلى نقطة الانكسار.

بدأ التآكل مع ملف غرينلاند، حين انتقلت التهديدات الأميركية بضم الجزيرة الدنماركية من حيّز المزاح إلى نطاق السياسة الجدية. عندها، خرجت نائبة رئيس الوزراء السويدي، إيبا بوش، لتحذّر من جسامة الضرر الذي أصاب منسوب الثقة داخل البيت الأطلسي من جرّاء نوايا ترامب، مصرحة في مقابلة مع CNN : “الثقة تضررت، وليس من السهل ترميمها“.

لقد انطوى التصريح على رسالة ضمنية واضحة فحواها أنّ تلويح رئيس أكبر قوّة في حلف الأطلسي بضمّ أراض تعود إلى دولة عضو في الحلف منذ تأسيسه يُفضي بالضرورة إلى بثّ إشارة مقلقة إلى سائر الحلفاء قوامها أن حدود التحالف لم تعد محصّنة إزاء النزعات التوسعية الأميركية

حين توحّد الرفض الأوروبي وأسقط اختبار واشنطن

في هذا السياق، بدت المواقف الأوربية متقاربة في جوهرها وإن تباينت في مستويات التعبير وصياغاته. فقد أعلنت ألمانيا، عبر المتحدث باسم المستشار فريدريتش ميرتس، رفضها المشاركة في أي عملية عسكرية في المضيق، مستندة إلى حجة أن واشنطن لم تكتفِ فقط بعدم استشارة أوروبا قبل إطلاق عملياتها العسكرية، بل أعلنت صراحة عدم رغبتها في مشاركة أوروبية.

ولم ينأَ الموقف الفرنسي كثيراً عن نظيره الألماني، إذ أكدت باريس، على لسان رئيسها، رفض الانخراط في السياق الراهن للحرب وهو ما قوبل بردّ من ترامب اعتبر فيه ماكرون “على وشك مغادرة السلطة”. أمّا المملكة المتحدة، فجاء موقفها -الذي عبر عنه رئيس الوزراء كير ستارمر- أكثر تحفظاً في الصياغة من دون أن يقل وضوحاً في المضمون، إذ شدد على رفض إضفاء طابع أطلسي على المهمة تفادياً لجرّ بريطانيا إلى انخراط أوسع في نزاع قد يتّسع نطاقه.

بين المبدأ والبراغماتية: الاقتصاد يحدد حدود الانخراط الأوروبي

لا يمكن فصل الموقف الأوروبي من سياقه الاقتصادي، الذي يُضفي عليه وضوحاً أكبر. إذ لا تزال القارة العجوز تعاني تداعيات حرب أوكرانيا، التي ترتب عنها تضخم طاقي، وتراجع التنافسية الصناعية لأوروبا مقارنة بالمنافسين العالميين، وضغوط اجتماعية تغذّي صعود التيارات الشعبوية داخلياً.

ومن ثم، فإن أي تصعيد في أزمة مضيق هرمز سيؤدي حتماً إلى اضطرابات إضافية في إمدادات الطاقة وارتفاع جديد في الأسعار، وهو ما لن تتمكن حكومات تخوض معارك انتخابية شديدة من تحمله.

لذا، فإن رفض أوروبا الانجرار إلى مستنقع المواجهة مع إيران، بقدر ما ينبع من موقف مبدئي يستند إلى مبررات معيارية، فإنه نابع أيضاً من حساب براغماتي دقيق لتكاليف المشاركة في حرب لم تُستشر فيها، وإنّ هذا التلاقي بين المبدأ والحسابات الاقتصادية للكلفة والمكسب هو ما منح الموقف الأوروبي صلابة يصعب اختراقها.

إعادة تعريف الحلف الأطلسي: من التعاقد القيمي إلى البراغماتية الانتقائية

تسلط المجريات السابقة الضوء على إشكالية جوهرية تتجاوز تفصيلة الخلافات الإجرائية في اتخاذ قرارات الحرب نحو الأسس التكوينية لحلف شمال الأطلسي في حد ذاتها.

فمن المعلوم أنّ المادة الخامسة من معاهدة واشنطن 1949 أرست مبدأً صريحاً منح للحلف خصوصيته: “الهجوم على أي عضو يُعدّ هجوماً على جميع الأعضاء”، وهذا ما شكّل العمود الفقري للثقة المتبادلة داخل الحلف. غير أنّ المعطى المترتب عما بعد العدوان على إيران يكشف عن تآكل تدريجي لهذه الثقة، إذ باتت الولايات المتحدة تطالب الحلفاء بتحمّل تبعات الدفاع عن مصالحها الخاّصة، متجاوزة نطاق الالتزامات الجماعية المتفق عليها، وكأنّ الحلف لم يعد أداة أمنية مشتركة بقدر ما أصبح آلية لخدمة أجندة أحادية الجانب

سيناريو المستقبل: حلف بمسارين

على المدى المتوسط، يلوح في الأفق سيناريو يمكن توصيفه بـ”الحلف ذي السرعتين”، بوصفه المآل الأكثر اتساقاً مع حركية التباين الاستراتيجي داخل الفضاء الأطلسي. فدول شرق أوروبا، التي تستبطن التهديد الروسي كتهديد وجودي مباشر، ستظل مشدودة إلى المظلة الأمريكية وتنبني حساباتها الأمنية على منطق الردع الفوري والارتهان النسبي للضمانات الصلبة. وعلى النقيض من ذلك، تمضي قوى أوروبا الغربية، وفي مقدمتها باريس وبرلين، في مسار تراكمي نحو بلورة استقلالية استراتيجية تعيد تعريف أولوياتها الأمنية وفقاً لمقتضيات مصلحتها الذاتية، بعيداً من الانخراط غير المشروط في مغامرات عسكرية لا تمسّ مجالها الحيوي المباشر.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى