الشرق الأوسط في مفترق طرق

بقلم: حسن نافعة..
ها هي الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران توشك أن تنهي أسبوعها الثالث من دون أن يلوح في الأفق ما يشير إلى اقترابها من خط النهاية أو حتى من الاتجاه نحو التهدئة، فالواقع يشير إلى أن العكس هو الصحيح وأن كفة احتمالات التصعيد ترجح على كفة احتمالات التهدئة، ما يعني أن هذه الحرب قد تتحول بسرعة إلى حرب إقليمية أوسع نطاقاً مما هي عليه الآن، في حال إذا ما قررت دول الخليج العربية خوضها إلى جانب الولايات المتحدة و”إسرائيل”، أو حتى إلى حرب عالمية تحت ضغط الارتفاع المستمر في أسعار النفط، والذي وصل عند كتابة هذه السطور إلى حوالى 106 دولارات للبرميل الواحد، ولا يستبعد بعض الخبراء أن يصل إلى 200 دولار أو أكثر إذا استمرت الحرب عدة أسابيع أو شهور أخرى، ما قد يؤدي إلى دخول الاقتصاد العالمي مرحلة كساد حاد قد يصعب التعافي منه بسهولة.
للتعرف على السيناريوهات المحتملة لتطوراتها المستقبلية، مع الاعتراف بما يكتنف هذه المهمة من صعوبات جمة، ربما يكون من المفيد أن نحدد أولا جملة من الحقائق الأساسية التي نبني عليها تصورنا لهذه السيناريوهات:
الحقيقة الأولى: تتعلق بطبيعة هذه الحرب. فمن الواضح تماماً أنها حرب اختيار لا ضرورة، بدليل أن المفاوضات التي جرت قبل اندلاعها مباشرة كانت واعدة وقدمت خلالها إيران تنازلات تسمح بالتوصل إلى اتفاق يضمن عدم امتلاكها سلاحاً نووياً في أي وقت، ما يقطع بأن هدفها الحقيقي لم يكن أبداً حرمان إيران من امتلاك سلاح نووي، كما يدعي ترامب، وإنما هو إسقاط النظام الحالي كمقدمة لتحويل إيران إلى دولة خاضعة تدور في الفلك الإسرائيلي الأميركي.
الحقيقة الثانية: تتعلق بالأطراف صاحبة المصلحة الأساسية فيها. فمن الواضح أيضاً أن “إسرائيل” هي صاحبة المصلحة الأكبر في شن هذه الحرب والأحرص على استمرارها لأطول فترة ممكنة.
وربما يكون من الأدق أن نظلق عليها “حرب نتنياهو”، لأنه سعى بنفسه على مدى عقدين كاملين لجر الولايات المتحدة معه، نظرا لإدراكه التام عدم قدرة “إسرائيل” على خوضها وحسمها بمفردها، لكنه لم ينجح في مسعاه إلا مع ترامب، ولأسباب لا علاقة لها بالمصالح الأميركية العليا.
الحقيقة الثالثة: تتعلق بالفجوة القائمة حالياً بين الحسابات التي استند إليها قرار شن الحرب والمسار الذي سلكته التطورات اللاحقة فعلاً.
فقد راهنت الولايات المتحدة و”إسرائيل” على حرب خاطفة، تؤدي ضربتها الأولى الساحقة إلى القضاء على أهم القيادات السياسية والعسكرية، ما سيحدث هزة كبير للنظام تنتهي بتفككه وانهياره، وهو ما لم يحدث.
فقد تماسك النظام الإيراني وصمد، رغم نجاح الضربة الأولى في اغتيال المرشد العام ومعه ما لا يقل عن 50 من قيادات الصف الأول، ورغم عنف الضربات اللاحقة التي أحدثت دماراً هائلاً في البنية التحية الإيرانية، بل وتمكن من توجيه ضربات قوية لا لـ”إسرائيل” فحسب بل لجميع القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة، والأهم أنه سيطر على مضيق هرمز واستطاع أن يتحكم في إدارته.
يدل مسار الأحداث منذ اندلاع الحرب على إيران وحتى كتابة هذه السطور على أمرين أساسيين، الأول: خطأ الحسابات التي استندت إليها الولايات المتحدة و”إسرائيل” عند اتخاذ قرار شن الحرب على إيران، والتي بنيت على حتمية انهيار النظام الإيراني، أو على الأقل إضعافه إلى درجة لا تمكنه من الصمود لفترة طويلة ومن شن هجمات مضادة مؤثرة، والثاني: عدم وجود استراتيجية بديلة في حال تماسك النظام الإيراني وثبوت قدرته على خوض حرب استنزاف طويلة الأمد.
لذا يمكن القول إن الولايات المتحدة و”إسرائيل”، واللتان شنتا حرباً غير مبررة على إيران من دون التشاور مع أحد ورغم أنف الجميع، فقدتا زمام المبادرة فيها، وبدأتا تتوسلان مساعدة الآخرين للخروج من المأزق الذي تواجهانه في المرحلة الحالية من المواجهة، وذلك بمحاولة ابتزاز دول الخليج العربية وتحريضها على المشاركة المباشرة في الحرب، من ناحية، ودعوة الدول المتضررة من إغلاق مضيق هرمز للمشاركة في تحالف دولي يتولى مسؤولية فتح هذا المضيق لضمان استمرار تدفق النفط والغاز إلى الأسواق العالمية.
في سياق ما تقدم يمكن القول إننا إزاء ثلاثة سيناريوهات محتملة لتطور الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران:
الأول: حرب إقليمية موسعة. ويتوقف شرط تحقق هذا السيناريو على موافقة دول الخليج على المشاركة المباشرة في الحرب على إيران، وهو ما تسعى إليه “إسرائيل” والولايات المتحدة بإلحاح، بدعوى أن إيران تشن هجمات مسلحة على هذه الدول التي ينبغي أن ترد على الهجمات بالمثل وألا تكتفي بانتهاج سياسة دفاعية تقتصر على إسقاط الصواريخ والمسيرات المغيرة.
غير أن احتمال النجاح في توريط دول الخليج العربية في حرب لا ناقة لها فيها ولا جمل تبدو محدودة، خصوصاً وأنها تدرك جيداً أن لا سيطرة حقيقية لها على القواعد الأميركية الموجودة على أراضيها، وبالتالي فليس بمقدورها تحييد هذه القواعد حين تشتبك الولايات المتحدة في حرب على دولة جارة، من دون تشاور مسبق معها أو أخذ مصالحها في الاعتبار.
صحيح أنها استعانت بهذه القواعد لتوفير الحماية لها، لكنها أصبحت الآن في وضع يجعلها غير قادرة على حماية نفسها ومن ثم تحولت إلى عبء عليها، فضلاً عن أن انخراط دول الخليج العربية في حرب مباشرة على إيران، وبالتحالف مع “إسرائيل” في الوقت نفسه، سيكون له عواقب وخيمة قد تهدد وجودها نفسه في المستقبل المنظور.
فإذا أضفنا إلى ما تقدم أن انخراطها في الحرب الدائرة على إيران حالياً لن يضيف كثيراً إلى قوة النيران التي تتمتع بها آلة الحرب الإسرائيلية والأميركية، فضلاً عن أن الهدف الحقيقي من توريطها في هذه الحرب هو استدراجها نحو مصيدة ترمي إلى تفتيت دول المنطقة وإعادة تشكيلها على أسس عرقية وطائفية، لتبين لنا بوضوح أنه لا مصلحة لدول الخليج العربية على الإطلاق في الانخراط في حرب عدوانية ظالمة على إيران.
ومع ذلك يصعب استبعاد حدوث هذا السيناريو بالمطلق، نظراً لامتلاك “إسرائيل” والولايات المتحدة وسائل ابتزاز كثيرة تتيح لها ممارسة ضغوط هائلة على معظم دول الخليج العربية.
الثاني: سيناريو تشكيل تحالف عالمي لفتح مضيق هرمز بالقوة: ويتوقف شرط تحقق هذا السيناريو على تجاوب الدول المتضررة من إغلاق مضيق هرمز مع نداء وجهه الرئيس ترامب طالبها فيه بإرسال قوة بحرية وجوية كبيرة لحماية السفن عند عبورها لهذا المضيق.
غير أن فرص نجاح هذا السيناريو تبدو بدورها محدودة، وذلك لسببين رئيسيين، الأول: أن المضيق ليس مغلقاً في وجه التجارة العالمية ككل، وإنما فقط في وجه السفن التابعة للدول المشاركة في الحرب والدول التي تتعاون معها، أما السفن التابعة للدول الأخرى فيمكنها العبور عبر المضيق بعد حصولها على تصريح من السلطات الإيرانية التي تفرض سيطرتها عليه بالفعل.
والثاني: فشل ترامب في الاحتفاظ بحلفاء كثر وحقيقيين للولايات المتحدة، إما بسبب سياساته الاقتصادية المتمحورة حول فرض رسوم جمركية مرتفعة على البضائع المستوردة من معظم دول العالم، أو بسبب أطماعه الاستعمارية الجديدة تجاه دول عديدة، مثل كندا والنرويج والمكسيك وفنزويلا وكوبا وغيرها. لذا جاء التجاوب مع ندائه محدوداً، وكأن لسان حال معظم دول العالم يقول: “الحرب الحالية على إيران ليست حربنا وعلى الذين قرروا شنها، من دون تشاور مع أحد أو تحسب لعواقبها المحتملة على الاقتصاد العالمي، تحمل مسؤولية ما يقومون به من تصرفات فردية”.
الثالث: سيناريو حرب استنزاف ممتدة: ويتوقف شرط تحقق هذا السيناريو على قدرة النظام الإيراني على الصمود، وهو الاحتمال الأرجح. إذ يتضح من المسار الذي سلكته الحرب حتى لحظة كتابة هذه السطور، أن هذا النظام يملك مقومات الصمود، وأن مواصلة اغتيال قياداته، والتي كان آخرها اغتيال علي لاريجاني، سيؤدي إلى نتائج عكسية تماماً، يجسدها ليس إصرار النظام على الصمود فحسب، وإنما أيضاً التفاف الشعب الإيراني حوله في لحظة تواجه فيها إيران، الدولة والمجتمع، خطراً وجودياً يهدد وحدة ترابها، وقد ينتهي بتقسيمها إلى عدة دويلات.
المسألة لا تتعلق هنا بقدرة النظام الإيراني على تحقيق النصر على تحالف أميركي إسرائيلي ألقى بكل ثقله العسكري والتكنولوجي في الحرب، فهذا ليس وارداً، وإنما بالقدرة على زيادة تكلفة الحرب إلى درجة لا تستطيع الدول المعتدية تحملها، وهو أمر وارد.
فبعد ثلاثة أسابيع من الحرب الجوية تبدو الخيارات المتاحة أمام “إسرائيل” والولايات المتحدة محدودة جداً. فإقدامها على فتح مضيق هرمز بالقوة سيكلفها الكثير من العتاد والأرواح، وترك إيران تسيطر على المضيق لعدة أشهر أخرى قد يرفع سعر النفط إلى آفاق لا يستطيع الاقتصاد العالمي أن يتحملها، وربما لا يستطيع المواطن الأميركي أيضاً أن يتحملها، واحتلال الجزر الاستراتيجية سيزيد من عدد الجنود الأميركيين العائدين في أكفان، ما سيؤدي حتماً إلى خسارة ترامب للانتخابات التشريعية المقبلة وتحويله إلى بطة عرجاء طوال العامين القادمين، وهو ما يتمناه معظم دول العالم.
لا أزعم أن هذا السيناريو هو ما سيتحقق بالفعل، لكني أعتقد أن ترامب ونتنياهو يواجهان مأزقاً حقيقياً قد لا يتمكنان من الخروج منه. فحتى بافتراض لجوء “إسرائيل” والولايات المتحدة إلى مضاعفة قوة النيران المستخدمة حالياً، وهو ليس بالأمر المستبعد، إلا أن استسلام النظام الإيراني ليس وارداً، حتى لو اضطر لشن حرب غير نظامية، ما قد يؤدي إلى دخول المنطقة كلها في حالة من الفوضى لا مثيل لها.
باب الخروج الوحيد من هذا المأزق يكمن في قدرة العالم على إقناع ترامب بوقف الحرب فوراً والدعوة لمؤتمر عالمي تطرح فيه كل قضايا المنطقة المتشابكة دفعة واحدة. قد يبدو هذا حلماً بعيد المنال، لكنه المخرج الوحيد الذي قد يحول دون الانزلاق نحو حرب عالمية ثالثة.



