“الوعد الصادق 4”.. كيف استعاد محور المقاومة زمام المبادرة؟

بقلم: أحمد عبد الرحمن..
لا يمكن بحال من الأحوال التقليل من تأثير أو فعالية الضربة الإسرائيلية-الأمريكية الغادرة التي استهدفت الجمهورية الإسلامية في إيران صباح الثامن والعشرين من الشهر الماضي، ولا يمكن إنكار او إخفاء حجم الخسائر الكبيرة التي تكبّدتها إيران في ذلك الصباح الدامي، والتي كان في مقدمتها استشهاد قائد الثورة ومرشدها، وقائد سفينة الشعب والنظام في إيران خلال أكثر من أربعة عقود ونصف.
يمكن الاعتقاد وربما الجزم بأن الهدف الأساس للحرب العدوانية على إيران هو إسقاط النظام الإسلامي، والسيطرة على مقاليد الحكم بشكل تام، وتحويل هذه الجمهورية العزيزة والمقتدرة إلى نظام تابع ومنقاد للإرادة الأمريكية والإسرائيلية كما هو حال معظم نظم المنطقة، والتي كشفت الحرب الظالمة انحيازها الكامل لمحور الشر، بل وتحوّلها إلى جدار صد لحماية الكيان الصهيوني المارق، والذي أثبتت التجربة خلال السنتين الماضيتين أنه نجح ومعه الإدارتين الأمريكيتين الحالية والسابقة في إنشاء تحالف إقليمي للدفاع عنه في وجه الهجمات القادمة من الشرق على وجه الخصوص، كما هو الحال في مواجهة الهجمات الآتية من اليمن ولبنان.
في مواجهة كل ذلك، فعّلت إيران بجميع أجهزتها ومؤسساتها خططاً كانت أعدّت مسبقا، وهي خطط اعتمدت على مرونة تكتيكية هائلة، بإمكانها التجاوب مع مختلف الظروف، حتى تلك التي تفقد فيها البلاد قائدها الأول، وثلّة كبيرة من قادتها العسكريين والأمنيين، بالإضافة إلى استهداف مراكز الحكم فيها، والتي تشرف على تنفيذ سياسات البلاد المختلفة، وتؤمّن الجزء الأكبر من حالة الاستقرار التي يحتاجها أي شعب وأي دولة.
على المستوى السياسي، وبعد أن نجحت الولايات المتحدة الأميركية في استمالة الكثير من دول العالم نحو موقفها المتشدّد من إيران، والذي استخدمت فيه فزّاعة “قمع” المحتجّين وقتلهم، بالإضافة إلى السردية المعتادة عن خطورة البرنامج النووي الإيراني على المنطقة والعالم، مضافاً إليهما برنامج الصواريخ الباليستية، والذي يمكن اعتباره كما كشفت مجريات الحرب التهديد الأساسي للكيان الصهيوني المجرم، وللقواعد الاستخبارية والعسكرية الأميركية في المنطقة، استخدمت كل ذلك للحصول على مشروعية دولية لعدوانها على إيران، وهي المشروعية التي منحتها لها كل دول محور الشر، إضافة إلى دول إقليمية معتبرة، تبيّن خلال الأسبوعين الأخيرين أنها عبارة عن منصّات إطلاق صواريخ وطائرات أميركية متقدّمة، وانّ حظائر ومدارج طائرات العدو الحربية فيها أكبر من كل مؤسساتها الخدمية الأخرى، وأن فائض الأموال لديها مخصّص لتعويض أميركا بل و “إسرائيل” عن خسائرهما الكبيرة في المواجهة الحالية.
على المستوى العسكري والذي يشهد اختلالاً واضحا لصالح المحور المعادي للثورة الإسلامية، والذي يملك إمكانيات وقدرات يكاد لا يملكها سواه في العالم، خصوصاً على صعيد سلاح الجو، والبوارج العسكرية، بالإضافة إلى منظومة الاستخبارات الهائلة التي تعتمد على الأقمار الاصطناعية، والأدوات التكنولوجية، إلى جانب الاستخبارات البشرية والتنبّؤية، تمكنّت الجمهورية الإسلامية بقدراتها الذاتية، وبإمكانيات مصنّعة محليّا، من استعادة زمام المعركة المحتدمة، ومن تحويل دفّتها لصالحها رغم حجم الخسائر والتضحيات، وهو الأمر الذي بدا مفاجئا لأعدائها، بل لكثير من أنصارها ومحبّيها، إذ إن فارق القوّة، والخلل في الإمكانيات، بالإضافة إلى العملية الغادرة والمفاجئة التي أصابت قلب النظام وعقله، قد جعلت الكثيرين يؤمنون بإمكانية سقوط الدولة، وتفكّك مؤسسات الحكم، بل وحدوث ذلك في أيام معدودات كما كان يرغب “مجنون” البيت الأبيض، وإلى جانبه مجرم الحرب والمطلوب للعدالة الدولية المختبئ تحت الأرض في “تل أبيب“.
استعادة زمام المبادرة لم تنحصر فقط على الجمهورية الإسلامية في إيران، بل وانسحبت أيضا على جبهات المقاومة الأخرى خصوصاً في لبنان والعراق، والتي اعتقد البعض أنها انكفأت لتداوي جراحها، وتنظّم صفوفها بعد ما لحق بها من خسائر، خصوصاً ما جرى مع حزب الله في لبنان، فإذا بهذا الحزب العزيز والمقتدر كما هو حال فصائل المقاومة الإسلامية في العراق يعود بقوة لم يتوقّعها أحد، لا سيّما العدو الإسرائيلي، والذي اعتقد واهماً أنه وجّه للحزب أكبر ضربة في تأريخه كما كان يشيع نتنياهو المأزوم، وبل إن هذا الحزب فاجأ أنصاره ومحبّيه أيضاً، والذين أصابهم بعض اليأس خصوصاً مع توالي الضربات الإسرائيلية دون رد خلال العام الماضي، وهو ما ولّد انطباعا بأن الحزب قد فقد قوّته، ولا يرغب أو لا يستطيع مواجهة العدو الصهيوني من جديد.



