اراء

الحرب وصناعة الاستهلاك

علي حسن الفواز..

مع مجيء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، باتت صورة الرئيس التاجر والرئيس الجنرال، والرئيس المعمداني، هي الأكثر حضورا من أنموذج الرئيس الديمقراطي، مثلما باتت سرديات الدولة أكثر أهمية من سرديات الثقافة، ومن صناعاتها المعرفية والعلمية والفلسفية، إذ بات الاستهلاك نمطا إشباعيا للكائن الجديد، في تشكيله الأنثربولوجي المتعالي، وفي انشغالاته بمشاريع ذات ربحية عالية، بما فيها مشاريع الحروب التجارية والنفطية في العالم.

أوهام مركزية الغرب ليست جديدة، فهي جزء من تأريخ التبشير والاستشراق والاستعمار، لكنها اليوم تحولت إلى أوهام طاردة، عبر سياسات ومؤسسات هي الأقرب إلى “المختبرات” التي تصنع الفايروس والترياق، والخطاب والفيلم والهوية، حيث تحولت صناعتها السردية إلى قوة عابرة للقارات، عبر البنوك، وعبر العملة الخضراء، وعبر الأسلحة والعولمة، وعبر الحروب، فاختلطت فيها الأوراق والمرجعيات بين الأيديولوجي والديني والأسطوري والأنثربولوجي.

السرديات المؤسسة لنظام هذا الغرب الجديد، جعلته أكثر مركزية في صناعة “النظام الدولي الجديد” على مستوى السياسات الكبرى، وعلى مستوى الاقتصادات المهيمنة، وعلى مستوى الأنساق ووظائفها من خلال “صندوق النقد الدولي” والمختبرات، والقواعد العسكرية، وهي مؤسسات تؤمن بنظرية “السارد العليم” الذي يراقب ويعرف ويوجه ويتخذ القرارات الاستراتيجية التي تمنح “السياسي” قوة ضاغطة، وتمنح الأنثربولوجي مجالا لتوسيع “الدرس الأنسوي” وتُكثّف مسؤولياته عبر إعادة تصميم الهويات واللغات والثقافات والعصوبيات، مثلما تمنح التاجر شغفا نرجسيا بمفهوم الربح والهيمنة والامتلاك والاستثمار.

بالمقابل تمنح “المثقف” هامشا ضيقا، وإحساسا قاهرا بأن عالمه لم يعد صالحا للأحلام، وأن علاقته بالمجتمع والأيديولوجيا باتت محكومة بعلاقته بأنماط استهلاك الثقافات الباردة، السريعة والمعلبة بالجنس والإثارة والغموض والأشباح، حيث تجعله إزاء واقعية رمادية، تُعيده إلى أوهام “موت المؤلف وموت الناقد، وموت القارئ” مقابل التماهي مع أساطير رولان بارت المحلية، بوصفها أساطير غرائزية، تذهب إلى سرديات الجسد، وإلى “الأنوية” واللذة والغريزة، وإلى إعادة تغريس مشاعر الكراهية والتعالي والمحو.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى