استهداف الأطفال في العقيدة الصهيونية.. تقاطع السياسة والدين والاستعمار

بقلم: ليلى نقولا..
أشارت تحقيقات مستقلة إلى أن قصف مدرسة “شجرة طيبة” الابتدائية للبنات في مدينة ميناب الإيرانية، والذي أسفر عن استشهاد أكثر من 160 طفلة، يرجّح أنه ناتج عن استهداف “متعمد” مباشر.
التحقيقات تشير إلى أن المدرسة كانت منفصلة تماماً عن أي موقع عسكري مجاور لأكثر من 10 سنوات. لذا، فإن استخدام صواريخ موجهة عالية الدقة يقلّل من احتمالية “الخطأ العشوائي”، ما يضع علامات استفهام حول نية الاستهداف أو قبول “الأضرار الجانبية” الهائلة كجزء من العملية العسكرية.
تُضاف هذه العملية المتعمدة إلى سجل إسرائيلي حافل بقتل الأطفال. في وقت سابق، وثقت مؤسسات إعلامية وحقوقية غربية وحتى إسرائيلية، أنماطاً من الاستهداف وصفتها بأنها تتجاوز مفهوم “الخطأ”، لتشير إلى القتل المتعمد للأطفال، ومنها:
1- تحقيق (BBC) في آب 2025، نشرت “بي بي سي” تحقيقاً فحص أكثر من 160 حالة لأطفال فلسطينيين قُتلوا برصاص قناصة أو نيران مباشرة، ووجد أن 95 حالة منهم أُصيبوا بدقة في الرأس أو الصدر. العديد من هؤلاء كانوا يلعبون أو موجودين في “مناطق آمنة” أعلنها الجيش الإسرائيلي نفسه.
2- الأمم المتحدة والمنظمات الدولية: وصفت منظمة اليونيسف غزة بأنها “مقبرة للأطفال”، حيث تجاوز عدد الضحايا من الأطفال 20 ألفاً بحلول أيلول 2025.
3- إفادات جنود إسرائيليين: نقلت منظمات مثل “كسر الصمت” (Breaking the Silence) إفادات لجنود تشير إلى “قواعد اشتباك مرنة” تسمح بفتح النار على أي جسم يتحرك في مناطق العمليات، ما يمحو الخط الفاصل بين المقاتل والمدني.
ولتحليل دوافع العنف في النزاعات التي تخوضها “إسرائيل”، لا بد لنا من التمييز بين الاستراتيجيات العسكرية ومبدأ الضرورة العسكرية، وبين المبررات الأيديولوجية أو الدينية التي قد تُستخدم داخل “إسرائيل” لتبرير هذا العنف.
ولتحليل ظاهرة قتل الأطفال تحديداً من قبل الإسرائيليين (من دون ضرورة عسكرية)، يمكن العودة إلى الإشارات التي وردت في التحقيقات حول جزيرة إبستين تتعلق بوجود معبد ذي قبة زرقاء ورموز غريبة، وربطها البعض بعبادات قديمة مثل “بعل” أو “مولوخ” التي اشتهرت تأريخياً (بحسب الروايات التوراتية) بتقديم الأطفال كقرابين.
تأريخياً، ارتبط اسم “بعل” بحضارات كنعانية وفينيقية قديمة، وكان بعض النصوص التأريخية (التي يجادل فيها علماء الآثار المعاصرون) يشير إلى طقوس تقديم أضاحٍ بشرية، خاصة الأطفال. أما مولوخ فيعد أحد أكثر الرموز إثارة للرعب في التأريخ القديم، حيث يرتبط اسمه تأريخياً وأسطورياً بـ”التضحية بالأطفال” في سبيل القوة والنجاح. كان المضحّون يعتقدون أن تقديم أغلى ما يملكون (أطفالهم) لمولوخ سيضمن لهم النصر في الحروب، أو الازدهار الاقتصادي، أو البقاء السياسي. وعلى الرغم من عدم وجود علاقة دينية أو عقائدية بين اليهودية الحديثة وبين بعل ومولوخ، إلا أن وجود هذه الظواهر في وثائق إبستين يشكك في ارتباط تقديم الأطفال قرابين عبر قتلهم أو اغتصابهم، وبين الأفعال الإسرائيلية المرتبطة بقتل الأطفال تحديداً.
ومن المفيد الإشارة الى أنه في الفكر اليميني المتطرف داخل “إسرائيل”، يتم استدعاء نصوص توراتية قديمة (مثل قصة العماليق) لتبرير القتل الجماعي. هذه النصوص تأمر بمحو العدو بالكامل “رجالاً ونساءً وأطفالاً”، تنفيذاً لما يعتقدون أنه “أمر إلهي” لتطهير الأرض، وهو ما يُعرف في الأدبيات السياسية بـ “الإبادة المقدسة”.
إضافة الى ما سبق، هناك تيار داخل الصهيونية الدينية المتطرفة (مثل قادة المستوطنين الحاليين)، يعتقدون أننا نعيش في زمن “الخلاص”، وأن القوانين الدولية هي “قوانين أغيار” (Goyim) لا تنطبق على شعب الله المختار. وفي هذا الإطار، يُنظر إلى العنف المفرط كأداة لتسريع مجيء “المسيح” (للمرة الأولى بحسب الفكر اليهودي).
أما بعض الباحثين اليهود المعاصرين فيعتبرون، أن اللجوء إلى القوة المفرطة ضد الأطفال، ليس طقساً دينياً بقدر ما هو محاولة لـ”كي الوعي” وضرب المستقبل. وأن هذه الظواهر هي جزء من “الاستعمار الاستيطاني” الإسرائيلي. وهكذا، يكون الهدف النهائي هو “إحلال” شعب مكان شعب، ما يجعل إزاحة المدنيين (بمن فيهم الأطفال) ضرورة استراتيجية للمشروع الاستيطاني، وليس مجرد ممارسة دينية.
لذا، فإن استهداف الأطفال (بحسب هؤلاء) يهدف إلى:
- كسر الإرادة الجماعية: إشعار المجتمع بأن ثمن المقاومة هو فقدان الجيل القادم.
- التخلص من “القنابل الديمُغرافية”: في الفكر الصهيوني المتطرف، يُنظر إلى الطفل الفلسطيني أو “العدو” ليس كطفل بريء، بل كـ”مشروع مقاتل مستقبلي”.



