انحدار الهيمنة الأمريكية وسقوطها

بقلم: مازن النجار..
الحرب العدوانية الأمريكية- الإسرائيلية على الجمهورية الإسلامية وما أسفر عنها من إخفاقات وانحطاط استراتيجي وعملياتي للمعتدين، جددت الحديث في دوائر التداول الفكري عن انحدار الهيمنة الأمريكية وعدم عقلانيتها وسوء مآلاتها. في هذا السياق، يقدم الكاتب والضابط السابق في حرب فيتنام، ديك داوديل، رؤيته لمسار هذا التدهور المتواصل في طبيعة القوة الأمريكية وممارساتها وتناقضاتها وسعيها للتدمير الذاتي.
يقول داوديل، في ربيع عام 1945، بينما كان الدخان يتصاعد من أنقاض مدن أوروبا، وحرب المحيط الهادئ تلامس خاتمتها الدامية، واجه صناع السياسة الأمريكيون خيارًا نادرًا ما يُطرح في التأريخ: ماذا يفعلون بسلطة عالمية شبه مطلقة؟
مضيق هرمز وعواقب انعدام الكفاءة
أحصت “نيويورك تايمز” مؤخرًا أربع طرق محددة أضعفت بها حرب ترامب على إيران الولايات المتحدة، وجميعها حقيقية. هذه الاتهامات إذا فُحصت فردياً، تُغفل نمطاً أكبر وأكثر إقلاقاً. فهي ليست مجرد أخطاء، بل سمة سلوكية لدولة تتخلى عن مبادئ تشغيل نظام دولي أنشأته وقادته.
يقول داوديل، قبل أن تتحرك، عليك أن تسأل نفسك: ماذا يفعل خصمك بعد ذلك؟ هذا ليس مبدأ معقدًا، بل مبدأ أساسياً، يتعلمه كل ضابط مبتدئ. لم تكن قدرة إيران على تهديد مضيق هرمز سراً، بل سمة أساسية في خطط أمن الخليج لعقود. وقد بنى حرس الثورة الإيراني عقيدة حرب غير متناظرة كاملة حول هذه النقطة الحرجة. عندما وصف مدير الاستخبارات المركزية بإدارة ترامب، بحسب التقارير، تنبؤ نتنياهو بانتفاضة شعبية في إيران بأنه “مهزلة” -وليس خطأً أو تفاؤلاً مفرطاً بل مهزلة- ورغم ذلك مضى الرئيس قدمًا، كانت النتيجة متوقعة تماماً.
حسابات التوسع المفرط
يكلف صاروخ توماهوك كروز الواحد مليوني دولار، ويستغرق تعويضه سنوات. مؤخراً، استهلك البنتاغون أكثر من ربع مخزونه خلال ستة أسابيع من الحرب. وبينما يلتزم بتعهداته لأوكرانيا، ويواصل الردع في المحيط الهادئ، ويفي بضمانات الأمن بحلف “الناتو”، فإن سؤالاً حسابياً بسيطاً يطرح نفسه: ماذا سيحدث عندما تندلع أزمة أخرى قبل تعويض المستهلكات؟
الجواب: على الولايات المتحدة الاختيار بين الوفاء بالتزاماتها والحفاظ على ما تبقى لديها. وهذا تحديداً الموقف الذي لا تستطيع قوة عظمى تحمّله.
انقسام التحالف.. أضرار لا تظهر على الرادار
رفضت اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا وكندا ومعظم دول أوروبا الغربية دعم الحرب على إيران. وعندما طالب ترامب بمساعدتهم لفتح مضيق هرمز، رفضوا. اعتبر ترامب هذا نكرانًا للجميل، لكنه لم يكن كذلك. بل كان ردًا عقلانيًا من حكومات وجدت أن الالتزام الأميركي مشروط ومتقلب، ويستبطن العداء.
لم يقم نظام التحالفات بعد الحرب العالمية على العاطفة قط، بل كان تبادلاً محسوبًا: قدمت الولايات المتحدة ضمانات أمنية، ووصولاً إلى الأسواق، وقيادة مؤسسية؛ وقدّم الحلفاء قواعد عسكرية، وشرعية سياسية، وتبادلاً استخبارياً، وتقاسم الأعباء. وجد الجانبان هذا التبادل أكثر قيمة من أي بدائل. لكن السنوات القليلة الماضية أظهرت أن هذا التبادل غير موثوق به من جانب أميركا.
التخلي طوعاً عن الشرعية
هذا هو الاتهام الذي يبدو الأكثر تجريدًا وجوهرية. فقد استندت القيادة الأميركية العالمية بعد عام 1945 إلى ادِّعاء محدد: إن قوتها كانت مختلفة لأنها قبلت قيودًا عليها. ساهمت أميركا في صياغة اتفاقيات جنيف. وحوكمت جرائم الحرب الألمانية في محكمة نورمبرغ، بما في ذلك قتل جنود حاولوا الاستسلام، وتُعرف قانونيًا بـ”منع الاستسلام”. بنت أميركا نظامها بعد الحرب على أساس أن بعض الأمور محظورة بغض النظر عن المصلحة العسكرية.
لكن عندما يقول وزير الحرب الأميركي “لا هوادة لا رحمة” ويعنيها كسياسة رسمية، فهو لا يتحدث باستخفاف. إنه يُعلن أن بلاده لم تعد مُلزمة بالقواعد التي وضعتها. كل حكومة استبدادية انتُقِدت لانتهاكات حقوق الإنسان، لديها الآن وزير في الإدارة الأميركية يُؤيد سلوكها نفسه. كل دبلوماسي أميركي يُحاول إلزام دول أخرى بالقانون الإنساني الدولي يحمل هذا الموقف معه.
سمات الدولة المارقة
تصف التهم الأربع مجتمعة السمات السلوكية لدولة مارقة: السعي وراء مصالح خارجة عن الأعراف الدولية؛ ورفض القيود متعددة الأطراف؛ واستخدام القوة من دون سند قانوني؛ واعتبار القانون الدولي عائقاً لا إطاراً للعمل.
شُنّت الحرب على إيران دون تفويض من الكونغرس، ودون دعم من الحلفاء، وعلى أسس وصفتها استخبارات الإدارة ذاتها بالمهزلة. وشمل هذا السلوك تهديدات صريحة بـ”محو الحضارة الإيرانية”. وأدى وقف إطلاق النار إلى إضعاف القوة البادئة بالحرب استراتيجياً عما كانت عليه قبل بدئها. وهذا تعريف الحرب الاختيارية الفاشلة.
ما يجعل وصف أميركا بـ”الدولة المارقة” دقيقاً للغاية تفكيك متزامن لمؤسسات وظيفتها كبح هذا السلوك. تخلى الكونغرس عن صلاحياته في شن الحرب. وتتعرض المحاكم للضغوط والتحدي. وتم تجاوز أجهزة الاستخبارات لصالح الحدس ورغبات زعيم أجنبي [نتنياهو]. ويجري تطهير صفوف الضباط المحترفين لصالح الولاء الأيديولوجي. عندما تُفرّغ هذه المؤسسات من مضمونها، يصبح الحكم خاضعًا لإرادة سلطة تنفيذية شخصية، من دون رقابة قانونية أو سابقة أو مساءلة.
الخلاصة: لن ينتهي هذا الأمر على خير. السؤال الذي يطرح نفسه بحق: ما الذي سيبقى بعد النهاية؟



