من يفتح أرضه للعدو.. يصبح ساحة للحرب

بقلم: إلهامي المليجي..
في الشرق الأوسط الذي يُعاد تشكيله تحت ضغط النار، لم تعد هناك قواعد “محايدة”. كل مدرجٍ تقلع منه طائرة، وكل رادارٍ يفتح سماءه لضربة، وكل غرفة عمليات تُنسّق عدوانًا عن بُعد، هو موقفٌ سياسي قبل أن يكون إجراءً عسكريًا. الجغرافيا لم تعد مجرد أرض بل صارت قرارًا.
السيادة اليوم لا تُختبر بالشعارات ولا تُحمى بالبيانات الدبلوماسية، بل تُقاس بقدرة الدولة على أن تمنع أرضها من أن تتحول إلى أداة في حرب الآخرين. ومن يسمح بأن تُستخدم قواعده لضرب طرف ثالث، لا يمكنه أن يدّعي الحياد ساعة يرتدّ الصدى.
الحروب الحديثة لا تعترف بالنيات، بل بسلاسل الفعل. ومن يدخل تلك السلسلة -ولو بالتمكين اللوجستي أو الغطاء الاستخباري- يصبح جزءًا من معادلة الاشتباك، شاء أم أبى. لا توجد اليوم “مسافة آمنة” بين المنصة والهدف، لأن المنصة نفسها قد تتحول إلى هدف.
لكن هذا ليس توصيفًا انفعاليًا، ولا قراءة سياسية منحازة. إنه منطق يُقرّه القانون الدولي ذاته.
الشرعية لا تُختزل في الاحتجاج
حين تتعرّض دولة لاعتداء مباشر، لا يعود الردّ ترفًا سياسيًا ولا خيارًا دعائيًا، بل يصبح شرطًا لبقاء المعادلة ذاتها. فالامتناع عن الرد لا يُقرأ حكمة، بل يُترجم اختلالًا دائمًا في ميزان الردع.
ولهذا جاء ميثاق الأمم المتحدة، في مادته الحادية والخمسين، ليمنح الدول حق الدفاع عن النفس إذا وقع عليها اعتداء مسلح. لم يمنحها “حق الاحتجاج”، ولم يحصر الدفاع في حدود رمزية أو جغرافيا ضيقة، بل أقرّ مبدأ واضحًا: مواجهة مصادر التهديد وأدواته حيثما وُجدت.
الشرعية هنا ليست غطاءً لغويًا، بل قاعدة عمل.
فإذا كانت القواعد جزءًا من سلسلة العدوان، فإنها – بحكم الفعل لا الخطاب – تدخل في نطاق الرد المشروع.
الردع لا يقبل أنصاف الحلول. غير أن الشرعية وحدها لا تصنع التوازن.
في عالم القوة.. الردع هو الفيصل.
الردع لا يعمل بنصف معادلة. لا يمكن لدولة أن تُهاجم من خارج حدودها، وأن تحتمي في الوقت نفسه بانتشارها الخارجي بوصفه منطقةً آمنة. إذا بقيت أدوات العدوان وقواعده خارج نطاق الكلفة، فإن ميزان القوة يختلّ لصالح من يملك القدرة على الضرب من دون أن يُضرب.
عند هذه النقطة، يتحول الامتناع عن استهداف المنصات إلى خلل بنيوي في معادلة الردع. الصمت هنا لا يُقرأ تعقّلًا، بل يُترجم ضعفًا. والردّ الذي لا يعيد توزيع المخاطر، لا يردع… بل يؤجّل انفجارًا أكبر.
إما أن تكون كلفة العدوان أعلى من مكاسبه، أو يصبح العدوان أداةً منخفضة الثمن في يد من يملك التفوق.
حين يسقط قناع الحياد
غير أن الذروة السياسية لا تتوقف عند المعتدي المباشر، بل تمتد إلى من قرر أن يمنحه الأرض.
ثمة دول تعتقد أنها تستطيع أن تكون “مضيفًا” دون أن تكون “طرفًا”، وأن تفتح مدارجها وقواعدها وغرف عملياتها، ثم تختبئ خلف عبارة: لسنا جزءًا من النزاع. غير أن الحروب الحديثة لا تعترف بمثل هذا التجميل اللغوي.
في القانون الدولي، الحياد ليس توصيفًا ذاتيًا، بل هو التزام فعلي. الدولة التي تتيح استخدام أراضيها لعمل عسكري هجومي، تفقد عمليًا صفة الحياد، لأنها دخلت في سلسلة الفعل العدواني، ولو بالتمكين والغطاء.
المنصة ليست تفصيلًا تقنيًا. المنصة قرار. ومن يمنح القرار، يمنح جزءًا من السيادة.
إن استضافة قواعد تُستخدم في ضرب طرف ثالث ليست ترتيبًا أمنيًا عابرًا، بل تموضعًا استراتيجيًا صريحًا. ومن يتموضع في معركة، لا يستطيع أن يطالب بالحصانة إذا تحركت المعركة نحوه.
الجغرافيا التي تتحول إلى نقطة انطلاق، تتحول في اللحظة نفسها إلى نقطة حساب. ومن يراهن على أن النار ستبقى محصورة في اتجاه واحد، ينسى أن الردع لا يعترف بالمسافات الآمنة.
السيادة بين الحصن والمنصة
السيادة لا تُمارس انتقائيًا. لا يمكن لدولة أن تتحدث عن حماية أرضها وحدودها، بينما تسمح بأن تتحول تلك الأرض إلى أداة في معركة الآخرين.
من يفتح الأجواء والقواعد والمرافئ لعمل عدواني، لا يستطيع لاحقًا أن يحتجّ بأن الردّ “تجاوز حدوده”. لأنه هو من نقل المعركة إلى أرضه.
الحياد لا يُعلن.. بل يُمارس. ومن خرج من الحياد بالفعل، دخل المعركة بالضرورة.
اللحظة التي لا تحتمل الوهم
في هذا الإقليم الذي تضيق فيه المسافات بين القواعد والعواصم، وبين القرار والجغرافيا، لم يعد ممكنًا الفصل بين الأرض والفعل. من منح أرضه لعدوان، منح نفسه مكانًا في معادلته.
والتأريخ لا يرحم سوء التقدير.
من يفتح أرضه للحرب، لا يختار موقع المتفرج.. بل يوقّع على دخوله ساحة الاشتباك.
ومن يراهن على أن النار ستبقى بعيدة، قد يكتشف -بعد فوات الأوان- أنها كانت تُحصي الإحداثيات بدقة.


