إيران.. حين تتحول القوة النسبية إلى التأثير الاستراتيجي في العدوان

بقلم: وسام إسماعيل..
لم يكن العنوان الأمريكي للمواجهة الحالية مع الجمهورية الإسلامية متوافقاً مع السياق التأريخي للاستراتيجية الأمريكية التي حكمت سلوك الإدارات المتعاقبة في مواجهتها.
فحتى ما قبل طوفان الأقصى، كانت الاستراتيجية الأميركية تتبنى فرضية الردع والاحتواء ومحاولة خنق النظام عبر مسار معقد من العقوبات والعزل في المحيط الإقليمي، وذلك انطلاقاً من تقدير أميركي كان يفترض أن تأثير الجمهورية الإسلامية لا يتخطى في مواجهة المشروع الأميركي حدود التمرد أو الشغب الذي يستهدف حماية النظام، من دون أن يكون لهذا التأثير أي بعد بنيوي قادر على إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية، أو إنتاج معادلات ردع تتجاوز الإطار الإقليمي، لتؤثر في موازين القوى الدولية الضامنة لتفوق الولايات المتحدة الأميركية في العالم.
فإذا كان من الممكن البحث في دوافع إدارة باراك أوباما التي أدت إلى توقيع اتفاق خطة العمل المشتركة الشاملة عام 2015، فقد كان التقدير الأميركي يفترض إمكانية تحديد أطر المواجهة مع الجمهورية الإسلامية في حدود إدارة التهديد واحتوائه، من دون الحاجة للجوء إلى القوة العسكرية من أجل حسمه.
في هذا السياق، وجدت الإدارة الأميركية الحالية نفسها أمام حقيقة مستجدة حيث لم يعد من المنطقي لديها تفسير السلوك الإيراني على أنه يستهدف فقط حماية نظام الجمهورية. فقد بات من الضروري قراءته ضمن مقاربة أوسع تستند إلى إعادة رسم معادلات القوة في النظام الإقليمي وتكريس نوع من التعددية الإقليمية التي قد تترك تأثيراً عميقاً على النظام الدولي، إضافة إلى محاولتها توظيف أدوات قوتها في محاولة تحويل القيود البنيوية التي تفرضها الولايات المتحدة في الإقليم إلى فرصة للتأثير.
فمن خلال التشريح الأميركي للسلوك الإيراني الذي ظهر أنه لم يكن عفوياً، أمكن الاستنتاج أن الجمهورية الإسلامية قد تخطت عقبة قوتها النسبية، التي لا يمكن أن تُقاس مقارنة بالقوة الأميركية، إذ إن حجم الاقتصاد الأميركي والتفوق العسكري والتكنولوجي وحجم الإنفاق العسكري وشبكة التحالفات، يجعلان الولايات المتحدة خارج إطار المقارنة حتى مع القوى الكبرى.
وحتى تزيد الجمهورية الإسلامية من صعوبة توصيف المشهد لدى دوائر القرار الأميركي، أظهرت أنها لم تعد تحاذر في توصيف المواجهة مع الولايات المتحدة على أنها تعبّر عن صراع سيشكل مدخلاً لتحقيق حلم التعددية القطبية. فمن خلال اندماجها في تحالفات معقدة، كشنغهاي وبريكس، وتطوير علاقاتها الثنائية مع القوى الدولية الفاعلة، كروسيا والصين، وتحويل هذه العلاقات إلى علاقات استراتيجية، تظهر الجمهورية الإسلامية من خلالها على أنها عنصر مكمل وأساس في إطار جهود تطوير مشاريع هذه القوى، حيث إنها تشكل عمقاً استراتيجياً طاقياً للصين، وتشكل أيضاً رافداً أساسياً للأسلحة المنخفضة الثمن التي تحتاجها روسيا، كالطائرات المسيرة والصواريخ البالستية.
وعليه، يمكن في هذا الإطار تعريف القوة الإيرانية على أنها استهدفت خلال الأزمة الأخيرة مع الولايات المتحدة، إدارة التوتر بشكل منضبط، حيث إنها لم تتردد في الذهاب إلى التفاوض بالتوازي مع إعلان استعدادها للذهاب إلى حرب مفتوحة حاسمة. وبالتالي، أكدت الجمهورية الإسلامية بعد أقل من ساعتين من تعرضها للعدوان على تحكمها في إدارة الصراع وتظهير المواجهة على أنها تعبر عن إرادتها بحفظ الحقوق والسيادة مهما كان الثمن باهظاً.
في هذا الإطار، يمكن القول إن الجانب الإيراني لا يسيء تقدير القوة الأميركية ولا إرادة استخدامها، غير أنه في المقابل، لا يتردد في فرض معادلات تتعلق بنتيجة العدوان الذي يتعرض له. فالجانب الأميركي اليوم لا يناقش قدرته على شن حرب طويلة على الجمهورية الإسلامية، وإنما يناقش في ضعف قدرته على تحديد قواعد الاشتباك، حيث إنه منذ اللحظة الأولى للعدوان، لم يتمكن من فرض سقف محدد لحجم رد الفعل الإيراني، ولم يتمكن من تحييد قدرة الجمهورية الإسلامية على المساس بالقوات الأميركية الموجودة ضمن مدى 2000 كلم. وبالتالي بات مضطراً اليوم ليبحث في قدرته على تحمل الأكلاف.
فالجانب الإيراني قد طرح معادلات تلغي أي إمكانية لتفرد الولايات المتحدة بفرض لحظة توقف الحرب، أو تحديد ساحة المعركة. وإذا أضفنا ما سبق إلى تأكيد الجمهورية الإسلامية استعدادها لحرب استنزاف طويلة، مستندةً إلى عمقها الجغرافي وامتدادها الإيديولوجي، وتأثيرها الجيواستراتيجي، فإن هذا الواقع سيضع الولايات المتحدة أمام عقبة أخرى تتعلق بإدارة المدى الزمني للمعركة، حيث إن هشاشة الدفاع عن الكيان والقواعد المنتشرة في الخليج، ستضع الولايات المتحدة أمام عقبة أخرى، عنوانها من يستطيع إدارة الزمن الاستراتيجي.


