دولة التلف في ميزان العلف ..

بقلم : منهل عبد الأمير المرشدي …
من دون أدنى شك أننا ورغم ما أنعم الله علينا من ثروات وشعب معطاء إلا أننا نعيش حاليا في دولة التلف ، حيث يطغى الزيف على السمات والنوايا وطنطنة الاصوات وتنعدم عند أغلب أصحاب القرار ثوابت الشرف . حين يباع الوطن في مزاد رخيص بأبخسِ أنواع العلف . نحن نعيش في ملهاةٍ تبكي العيون ومأساة يرقص فيها الفاسدون على جراح شعب صابر مظلوم .
لقد كنّا بالأمس ننتقد الراحل والباحث الاجتماعي علي الوردي ونرميهِ بسهامِ العتبِ حين وجدناه مسرفا في المبالغة بالوصف السلبي لازدواجية الشخصية في مجتمعنا واتهمناه بالتمادي والقسوة . لكننا اليوم وأمام هذا التفشي لوباء الفساد والنفاق نعتذر لروحه فقد كان رحيماً في وصفه وموجزا في تشخيصه . نحن اليوم في زمنٍ يرتدي فيه الشيطان ثياب الواعظين ويصطف فيه من تقمصوا شخوص الملائكة مع الشياطين ليُطفئوا كل قبسِ نورٍ ويُحيلوا الأمل إلى رمادٍ منثور . الكل هنا واعظ تقي والكل مصلح مخلص صفي ! لا فساد يلوح ولا ريح خيانةٍ تفوح طالما أن الشعاراتِ ترفع وجباه الأرباب بالتقوى تُرصع وجيوب المافيات تبتلع الأخضر واليابس دون شبع . آخر صيحة في فضيحة الغزلان حيث العلف بلا علف وموت بلا ذبح ولا قتل وآخر فصول هذه المهزلة ما جادت به أخبار محمية غزلان بسماية . ميزانية ضخمة وأرقام فخمة تجاوزت الستين مليارا صُرفت الى وزارة الزراعة لشراء العلفِ . المحمية المذكورة لإشباع الغزلان الجياع وحمايةِ السلالةِ من الضياعِ . خبر يثلج الصدر ويوحي بأننا صرنا في مصافِّ الأمم التي تقدس حقوق الحيوان وتحمي الغزال العراقي صاحب التأريخ الوطني والأصالة والشأن الثوري والمضحي بنفسه من أجل طموح الشعب لكن وكما هي العادة في إرهاصات دولة التلف جاءت لجنة مجلس النوابِ للتقصي لتجد واقعا مراً لا يعقل ولا يحتمل .. فلا علف يذكر ولا حتى أثر . أين العلف ؟ قالوا أكلته الغزلان بشهيةٍ واقتدار . وأين الغزلان ؟ قالوا فنيت جميعاً وماتت في رابعةِ النهار !!! ما سبب الموت ؟ قالوا التناطح ! غزلان عراقية أصيلة شرسة تبارزت حتى الهلاك . ؟!! وأين الغزال الأخير حيث لم يتبقَّ من ينطحه ؟ قالوا مات بالتوبة القلبية قهرا وحزناً على رفاقه الذين صاروا في عالم المجهول .
ولابد للفجيعة من خاتمة فلا أثر ولا خبر وعادت اللجنة بخُفي حُنين لا علف وُجد ولا غزال رُصد ولا جثث شوهدت ولا قبور أُحصيت . اختفت الستون ملياراً وتبخرت الغزلان معها والشعب يلوك الصبر في دولةٍ صار فيها العلف أثمن من دمِ البشر . إنها دولة التناقضات حيث يُسرق القوت والمال العام وتباد الغزلان لتعيشَ المافيات. فإنا لله وإنا إليه راجعون على وطنٍ ضاع بين طغيان الفاسدين والمنافقين وجشعِ أصنام هذا الزمن الرديء وحسبنا الله ونعم الوكيل.



