اخر الأخباراوراق المراقب

هندسة الروح.. كيف يعيد رمضان صياغة سلوكنا؟

عزيز ملا هذال..

مثلما تنفذ بطارية الهواتف والأجهزة الإلكترونية ويُعاد شحنها، الإنسان هو الآخر تنفذ قواه النفسية ويحتاج إلى الوقوف في محطة شحن، ومن أهم المحطات التي يتزود فيها الإنسان بالطاقة بالنسبة للمسلمين هو شهر رمضان المبارك، الذي نعده فرصة عظيمة لأن يراجع الإنسان تنظيم وشحن الذات لتعيد إنتاج السلوكيات الصحية التي تلائم إنسانية الإنسان وفطرته السليمة، فماهي أبرز المردودات النفسية في شهر رمضان؟

يُعتبر شهر رمضان وقتاً مميزاً للسلام الداخلي والعودة إلى مصادر الخير، حيث يتمكن الإنسان من الابتعاد عن ضغوط الحياة ورغبات الروح التي تشتت انتباهنا على مدار السنة وتدفعنا نحو المعاصي والهموم الناتجة من متطلبات الحياة المتشعبة واللامتناهية. يأتي رمضان في كل عام حاملاً معه نسائم ونفحات من الله تجعل الروح تنمو وترتفع إلى مستوى سامٍ لا يعرفه إلا من اختبر فرحة الالتزام وكرس جهوده للاستفادة من روحه التي تختلف عن كل شهور العام، إذن هي فرصة مناسبة لنتذوق منها الهدوء والاطمئنان وبالتالي نطهر ذواتنا بعد أن لوثتها أدران الحياة.

ومما يجب الالتفات إليه من قبل الفرد المسلم أنَّ ترميم الذات يتم عبر الممارسات الروحانية المعنوية التي تعيد اتزان الإنسان وترفع من مستويات صحته النفسية، وليس عبر الاعتكاف على المسلسلات والبرامج الرمضانية الرديئة التي تبدع قنواتنا في عرضها وقت الإفطار كطبق شهي يهدم كل القيم، والثواب الذي حرص الإنسان على جمعه طيلة يومه. فيضيع وقت الإنسان في السلوكيات الملهية، ما يساهم إلى حد كبير بإنشاء جيل من الأمة غافل عن وعيه، جاهل ما حوله من أحداث مهمة وبعضها خطير، فلا يعرف ذاته مضيعاً لنفسه وعالة على مجتمعه، بعيداً كل البعد عن ملامح الصواب، متشبعاً بقيم الانحطاط والرذيلة والضياع والفساد وما أكثرها في وقتنا للأسف.

ماهي عائدات شهر رمضان علينا؟

من مكتسبات الصيام في الأساس أنه يساعد على التحكم في النفس عبر الابتعاد عن الأكل والشرب، ويفترض أن يبتعد فيه الإنسان عن الغضب، والكلام الجارح، فخلال هذا الشهر تتعمق الصلة بالله، ويكون أمام الإنسان فرصة لإعادة تقييم أولوياته، فيتساءل: ماذا ينبغي أن أترك؟ وما الشيء الذي يجب أن أبدأه من جديد؟

ومن مكتسبات شهر رمضان للفرد المسلم تعزيز الوعي في كل جوانبه وتعليم وإرساء القيم الجميلة التي تنتجها روح الإسلام، والتي تتمثل بالصبر والتراحم الإنساني وتعويد النفس على عادة سلوكية ملتزمة لم تكن موجودة في السابق، وبر الوالدِينَ ومخالطتهم وعدم تركهم يقاسون الوحدة، فهذه القيم تساعدنا على فهم أنفسنا بشكل أفضل، كما تساهم بتنمية معنى التقدم الشخصي والإرادة القوية والعزيمة التي ترافقنا طوال الشهر.

ويجعلنا هذا الشهر المبارك نعيد محاسبة ذواتنا ونقف على كل كبيرة وصغيرة من سلوكياتنا السابقة سيما غير الصحيح منها بهدف تصحيح المسار، فتبدأ المراجعات وتُفتح الملفات القديمة أملاً في العودة إلى الطريق السليم، ورغبة في الحصول على تذكرة النجاة رغبة منا ورهبة منه في الطمع الشديد في الفلاح الدنيوي والأخروي. وفي شهر رمضان فرصة لإعادة التوازن النفسي، فالإحساس بالإنجاز اليومي مثل إتمام الصيام، قراءة القرآن، وغيرها من العبادات من شأنه أن يعزز تقدير الذات، كما أن أجواء تجمع العائلة في الإفطار والعبادة تخفف الشعور بالوحدة وتدعم الإحساس بالانتماء.

ومما لا يجب إغفاله أن في شهر رمضان فرصة طيبة لتحسين التواصل العائلي والأسري، فمن الجيد أن يواصل الإنسان ذويه ويتفقدهم في زيارات عائلية خفيفة لا تثقل أحداً، وتزيد من الترابط الإنساني الذي يجب أن يبقى مستمراً رغم كل الظروف.

ختاماً نقول: يظل رمضان تلك المحطة الاستثنائية التي لا تأتي لتغير مواعيد أكلنا فحسب، بل لتغير إحداثيات أرواحنا، إنها دعوة سنوية لفك الارتباط بضجيج المادة والشاشات، والاتصال بنور الفطرة والسكينة، فمن استطاع أن يشحن بطاريته الإيمانية بوعي، خرج من هذا الشهر ليس فقط بجسد صائم، بل بنفس مطمئنة، وعقل متزن، وقلب يفيض تراحماً، ليكون بذلك قد نال أثمن تذكرة نجاة في رحلة الحياة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى