اراء

الحشد الشعبي .. كلمة السر الإقليمية

1409

خالد عبد الآخر
ربما في الجعبة الأميركية خيارات أخرى. فهل ستنجح ؟ الواقع حتى الاّن على الأقل يقول إن دمشق قادرة على مواصلة الصمود، وإن بغداد استطاعت حتى الاّن أن تفرض إرادتها بدرجة معقولة. أما بشأن ما إذا كانت بغداد – بالتعاون مع حلفائها الإقليميين – قادرة على تمديد نطاق فرض إرادتها زمنياً وجغرافيا أم لا، فإن كلمة السر في ذلك بالتأكيد ستكون: الحشد الشعبي. من المبكر التنبؤ بتفاصيل مشهد نهاية معارك تحرير الموصل من المبكر التنبؤ بتفاصيل مشهد نهاية معارك تحرير الموصل – فضلاً عن سيناريو ما بعد تحرير الموصل – أو بالمدى الزمني الذي سوف تستغرقه عملية التحرير، إلا أن وقائع عملية التحرير تنبؤ بأن رياح بغداد تأتي بما لا تشتهي سفن واشنطن في الموصل. حتى أن المتحدث باسم التحالف الدولي ستيف دوريان، أعلن يوم الجمعة بشكل مفاجئ عن توقف عمليات تحرير الموصل لأيام بهدف ما سماه «ترسيخ النجاح المحقق منذ بدء العمليات». وكان من اللافت نفي قيادة العمليات المشتركة العراقية العاجل لما صدر من التحالف الدولي عن توقف العمليات عبر تعديل في الصيغة لتصبح «إعادة توزيع وانتشار للقوات»، بدلاً من توقف العمليات، لكن الأهم هو «النفي العملي» الذي نفذته فصائل الحشد الشعبي والقوات العراقية بشن هجوم واسع النطاق على مواقع «داعش» في غرب وجنوب الموصل. هذه الأحداث تأتي امتداداً لما أعلنه العراق رسمياً مرات عدة قبل وأثناء معركة الموصل عن مشاركة الحشد الشعبي في المعركة، متحدياً بذلك الإرادتين الاميركية والتركية وتهديدات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. نجح العراق حتى الاّن بنسبة كبيرة في فرض إرادته على كل من واشنطن وأنقرة. اردوغان الذي استخدم خطاباً متشدداً تجاه الحشد الشعبي قبل بداية المعارك، هو نفسه أردوغان الذي استقبل خبر مشاركة الحشد الشعبي عملياً بمعارك الموصل بتصريح ضعيف يهدد فيه بتدخل تركي إذا ما أشاع الحشد الشعبي «الخوف» في تلعفر وفقاً لتعبيره، ثم تبعه تصريح من نائب رئيس الحكومة التركية نعمان كورتولموش ينفي فيه مشاركة الحشد الشعبي في معارك الموصل أصلاً، والمرجح أن اردوغان لن يفعل شيئاً لاحقاً، لأنه لم يفعل شيئاً سابقاً. من الواضح أن الدولة العراقية كانت بعيدة النظر وأدركت وظيفة داعش وموقعه في الخطة الأميركية فور اجتياح داعش مناطق واسعة من أراضيه عام 2014. فقد صدرت فتوى الجهاد الكفائي من مرجعية النجف الأشرف فور هذا الاجتياح، وبدأ تكوين نواة الحشد الشعبي بعد يومين فقط من هذه الفتوى التي قال عنها الإمام السيستاني – على لسان معتمد مكتب المرجعية العليا بتاريخ حزيران 2015 – إنها لم تصدر عنه بل صدرت عن «جهات عليا». وبرغم أنه كان بإمكان العراق التركيز على إعادة بناء الجيش العراقي فقط (وهو ما لم يهمله العراق كما ثبت من خلال التطور الكبير في أداء القوات العراقية بمعارك تحرير الفلوجة والموصل)، إلا أن العراق أولى الحشد الشعبي منذ تكوينه اهتماماً سياسياً وعسكرياً لافتاً وأعلنته الحكومة العراقية مؤسسة أمنية رسمية تابعة لها. وفي طرد تنظيم داعش من كل المناطق التي احتلها بالعراق .. كان للحشد الشعبي دور. لكن أدوار الحشد الشعبي السابقة لا تقارن بأهمية دوره حالياً وربما مستقبلاً .. الاّن فقط بدأ يظهر للجميع طبيعة الدور الخاص والنوعي الذي يلعبه الحشد الشعبي. لقد توالت التحذيرات التي كانت على لسان الامين العام لحزب الله اللبناني السيد حسن نصر الله فاتحتها، محذرة من خطط أميركية وإقليمية لتهريب عناصر داعش المدحورين في الموصل إلى سوريا، وترميم قوة داعش في شرق وشمال سوريا ضد الجيش السوري وحلفائه، بهدف خلق ما يشبه منطقة عازلة تقطع التواصل البري بين إيران والعراق من جهة، وسوريا ولبنان من جهة أخرى. لكن صرامة الموقف العراقي في منع حدوث ذلك والتزامه تجاه أمنه وأمن حلفائه الإقليميين، تجلت في تكليفه الحشد الشعبي بمعارك غرب الموصل ومنع هروب عناصر داعش إلى سوريا. بل أن الحشد الشعبي اختار أحد أبرز فصائله «عصائب أهل الحق» لتتولى تنفيذ أول مراحل هذه المهمة بتكليف العصائب بملف تلعفر «الحساس» التي يقال عنها أنها موصل مصغرة، والتي يعدها اردوغان بنسبة التركمان العالية بين سكانها، عنواناً للحق التركي – المزعوم – في الموصل. أي أن الحكومة العراقية أوكلت الحشد الشعبي في تنفيذ أقوى دور. وقد يكون الأهم هو الدور المحتمل للحشد الشعبي في شرق سوريا ضد «داعش» مستقبلاً. فما أعلنه الحشد الشعبي صراحة عبر رئيس هيئته فالح الفياض، ونائبه أبي مهدي المهندس، والمتحدث الرسمي باسمها محمد الأسدي كان واضحاً: «نعم سنتوجه إلى سوريا بعد تحرير الموصل لنساعد الجيش السوري في تحرير أراضيه من تنظيم داعش، الذي يشكل تهديداً للأمن القومي العراقي». نالت هذه التصريحات فور صدورها اهتماماً واسعاً بكل وسائل الإعلام على اختلاف توجهاتها. كيف لا، ودور محتمل كهذا للحشد الشعبي يهدد بضرب قلب المشروع الأميركي فضلاً عن المشاريع التركية والسعودية التي تعد فروعاً منه. واشنطن التي تسعى لتقسيم سوريا تحت شعار الفدرلة، تريد داعش أن يظل مسيطراً على الرقة وما حولها حتى يحين موعد التحرك نحو مدينة الباب «المفصلية» بشكل مبدئي، قبل التدخل العسكري في الرقة لاحقاً لفرض أمر واقع ميداني يوظفه سياسياً ضد النظام السوري على مائدة التفاوض. التكتيك الذي يستخدمه المعسكر المعادي للنظام السوري يفرض على الجيش السوري إشغالاً مستمراً بقتال الإرهاب في شمال وجنوب سوريا، فضلاً عن العاصمة وريفها، ويضطره لتأجيل أي خطط لطرد داعش من الرقة ودير الزور، فيمنح معسكر واشنطن أفضلية نسبية على دمشق في سباق الوصول إلى الرقة أولاً لفرض أمر واقع عسكري وسياسي على الخصم. أما إذا تدخل الحشد الشعبي – الذي تخصص في هزيمة داعش حتى أصبحت هوايته المفضلة – فإن الأفضلية في ربح هذا السباق ستكون لدمشق طبعاً. فهل سيكون للحشد الشعبي دور ؟ ربما تحاول واشنطن عرقلة معارك تحرير الموصل لتحويل الموصل إلى حلب جديدة، عبر فتح الطريق أمام عناصر «داعش» – بعكس الاتجاه المتوقع – من الرقة ودير الزور إلى الموصل. وقد تحاول اتخاذ خطوات سريعة للأمام بتعجيل خططها في التحرك نحو مدينة الباب، أو تحريض القيادة التركية – في ظل ترددها وارتباكها أمام ما يجري في الموصل– على توريط الجيش التركي في صدام عسكري واسع يستنزفه في العراق. وربما في الجعبة الأميركية خيارات أخرى. فهل ستنجح ؟ الواقع حتى الاّن على الأقل يقول إن دمشق قادرة على مواصلة الصمود، وإن بغداد استطاعت حتى الاّن أن تفرض إرادتها بدرجة معقولة. أما بشأن ما إذا كانت بغداد – بالتعاون مع حلفائها الإقليميين – قادرة على تمديد نطاق فرض إرادتها زمنياً وجغرافيا أم لا، فإن كلمة السر في ذلك بالتأكيد ستكون: الحشد الشعبي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى