تفعيل القطاع الصناعي خيار ضروري لتحريك عجلة الاقتصاد الوطني

إلى جانب الإيرادات النفطية
المراقب العراقي / أحمد سعدون..
في ظل التحولات الاقتصادية العالمية المتسارعة، وما رافقها من أزمات مالية واضطرابات في أسواق الطاقة نتيجة الحروب والتوترات الدولية التي أحدثها التحالف الصهيو أمريكي في منطقة الشرق الأوسط وانعكاس تأثيرها على العالم أجمع، باتت الدول الريعية أمام اختبار حقيقي لإعادة صياغة نماذجها الاقتصادية، ويقف العراق في مقدمة هذه الدول، بحكم اعتماده شبه الكلي على عائدات النفط في تمويل موازنته العامة، ما يجعله أكثر عُرضة للصدمات الخارجية وتقلبات الأسعار.
الأزمات الأخيرة، التي ضربت العالم سواء المرتبطة بالصراعات الامريكية أو تداعيات جائحة كورونا خلال السنوات الاخيرة، كشفت هشاشة الاقتصاد الأحادي، وأظهرت الحاجة الملحة إلى تنويع مصادر الدخل الوطني، ومن هنا يبرز القطاع الصناعي كأحد أهم الركائز القادرة على إحداث تحول جذري في بنية الاقتصاد العراقي، ليس فقط كمصدر بديل للإيرادات، بل فرصة تنموية تسهم بتحريك عجلة الإنتاج وتوفير فرص العمل.
وتشير تقديرات رسمية إلى أن عشرات الآلاف من المصانع في العراق متوقفة منذ سنوات طويلة، نتيجة الحروب، وسوء الإدارة، وغياب التخطيط الاستراتيجي، فضلاً عن ضعف البيئة الاستثمارية. هذا التوقف لم يؤثر على الإنتاج فحسب، بل انعكس بشكل مباشر على معدلات البطالة، وأدى إلى تراجع الخبرات الصناعية الوطنية وتآكل البنية التحتية للقطاع.
في المقابل يمتلك العراق مُقوِّمات صناعية كبيرة تؤهله للنهوض من جديد، إذ تتوفر لديه ثروات طبيعية متنوعة تشمل النفط والغاز والمعادن والكبريت، إلى جانب إمكانيات زراعية واسعة يمكن أن تدعم الصناعات الغذائية ، هذه الموارد، إذا ما استُثمرت بشكل صحيح، قادرة على بناء قاعدة صناعية متينة تقلل من الاعتماد على الاستيراد وتعزز الاكتفاء الذاتي.
التجارب الدولية تقدم نماذج ملهمة يمكن الاستفادة منها، فدول مثل اليابان وألمانيا استطاعت، رغم الدمار الذي خلفته الحروب، أن تعيد بناء اقتصاداتها عبر التركيز على الصناعة والتكنولوجيا، كما أن إيران، رغم سنوات الحصار والحرب المفروضة عليها من قبل التحالف الصهيو أمريكي، تمكنت من تطوير قطاعات صناعية وزراعية أسهمت بتحقيق قدر من الاكتفاء الذاتي، وأثبتت قدرة الصناعات المحلية على الصمود بوجه التحديات.
ويرى مختصون أن المرحلة المقبلة تتطلب إرادة سياسية حقيقية لوضع القطاع الصناعي في صدارة الأولويات، من خلال تبني سياسات اقتصادية وتشريعية محفزة للاستثمار، سواء المحلي أو الأجنبي. ويشمل ذلك إعادة تأهيل المصانع المتوقفة، وإطلاق مشاريع استراتيجية في مجالات البتروكيمياويات، والحديد والصلب، والصناعات الغذائية، إضافة إلى الصناعات الكهربائية والإنشائية.
ومن جانب آخر أكد النائب عن تحالف الإعمار والتنمية فراس المسلماوي، في حديث لـ”المراقب العراقي” ، أن” تفعيل القطاعين الصناعي والزراعي أصبح ضرورة لا يمكن تأجيلها في ظل الأزمة المالية التي يمر بها العراق”.
وأضاف أن” على القوى السياسية الإسراع في حسم ملف اختيار رئيس الوزراء وتشكيل حكومة كاملة الصلاحيات، قادرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والأمنية الراهنة، لافتاً إلى أن الحكومة الحالية تعمل بصيغة تصريف الأعمال، ما يحدُّ من قدرتها على اتخاذ قرارات اقتصادية فاعلة تُسهم بتخفيف حدة الأزمة.”
وأشار المسلماوي إلى أن” إعادة تشغيل المصانع والمعامل المتوقفة ستنعكس بشكل إيجابي على الاقتصاد الوطني، من خلال توفير فرص عمل واسعة وتشغيل الأيدي العاملة، فضلاً عن تعزيز الاكتفاء الذاتي في العديد من المنتجات الغذائية والإنشائية، الأمر الذي يُسهم بتحسين المستوى المعيشي للمواطنين ودعم الاستقرار الاقتصادي في البلاد”.
وبحسب مؤشرات مختصين في الشأن الاقتصادي فإن تفعيل القطاع الصناعي في العراق لم يعد خياراً ثانوياً بالنسبة للحكومة المقبلة، بل ضرورة استراتيجية لضمان الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، فبلد يمتلك هذا الحجم من الموارد والإمكانيات، لا يمكن أن يبقى رهينة الإرادة الخارجية وتقلبات سوق النفط، بل عليه أن يتحول إلى اقتصاد منتج قادر على مواجهة الأزمات وصناعة مستقبل أكثر استدامة.



