التغوّل والتوسّع يرسخ مكانة أمريكا كدولة مارقة

بقلم: مازن النجار..
قضت الطبقة الحاكمة الأمريكية، المنفصلة عن الواقع وأعماها الغباء والجشع والغطرسة، على الآليات الداخلية التي تمنع قيام الديكتاتورية، والآليات الخارجية المصممة للحماية من عالمٍ خارج عن القانون، عالم الاستعمار ودبلوماسية البوارج الحربية.
هكذا يخلص الكاتب والمفكر الأمريكي، كريس هيدجز، إلى أن تقويض سيادة القانون في الداخل والخارج يُرسخ مكانة أميركا في العالم كدولة مارقة.
فالمؤسسات الديمقراطية في حالة احتضار. فهي عاجزة أو غير راغبة في كبح جماح التشكيل العصابي الحاكم. فالكونغرس الخاضع لجماعات الضغط بات ذيلاً بلا فائدة. وتنازل عن سلطته الدستورية، بما فيها حق إعلان الحرب وسنّ التشريعات، منذ زمن بعيد. فخلال 2025، لم يُرسل سوى 38 مشروع قانون هزيل إلى دونالد ترامب لتوقيعها. معظمها قرارات “نقض” تُلغي لوائح سُنّت خلال إدارة بايدن. ويحكم ترامب بمراسيم إمبراطورية عبر الأوامر التنفيذية.
وسائل الإعلام، المملوكة للشركات والأوليغاركيات، من جيف بيزوس إلى لاري إليسون، مجرد صدى لجرائم الدولة، بما فيها الإبادة الجماعية المستمرة للفلسطينيين، والهجمات على إيران واليمن وفنزويلا، ونهب طبقة المليارديرات.
البلطجة بديلاً من السياسة
وبالنسبة إلى هيدجز، الحزب الديمقراطي، الذي يُفترض أنه المعارضة، بينما يخضع واقعيًا للشركات، يُعرقل آلية الإنقاذ الوحيدة -الحراكات الجماهيرية والإضرابات- لعلمه أن قيادته الفاسدة والممقوتة ستُزاح من موقعها. ويعامل قادته عمدة مدينة نيويورك، زهران ممداني -وهو بصيص الأمل في الظلام- وكأنه مجذوم. يفضلون ترك السفينة تغرق على التخلي عن مكانتهم وامتيازاتهم.
الأنظمة الديكتاتورية أحادية البعد، فهي تختزل السياسة إلى أبسط صورها: إما أن تفعل ما أقوله أو سأدمرك.
الفروق الدقيقة، والتعقيد، والتسوية، وبالطبع التعاطف والتفهم، أمورٌ تتجاوز النطاق العاطفي المحدود لمجتمع العصابات، بما في ذلك زعيمها الأعلى.
الأنظمة الديكتاتورية جنةٌ مأوى البلطجية. فالعصابات، سواء في وول ستريت أو وادي السيليكون أو البيت الأبيض، تفترس بلادها وتسلب موارد الدول الأخرى.
مسارات عدمية
هل يمكن لأحد أن يدّعي جادًا أن الولايات المتحدة ديمقراطية؟ هل توجد أي مؤسسات ديمقراطية فاعلة؟ هل هناك أي رقابة على سلطة الدولة؟ هل من آليةٍ تُرسّخ سيادة القانون في الداخل، حيث يُختطف المقيمون الشرعيون من شوارعنا على أيدي بلطجية ملثمين، وحيث يُستخدم شبح “اليسار الراديكالي” الوهمي ذريعةً لتجريم المعارضة، وحيث تمنح أعلى محكمة في البلاد ترامب سلطةً وحصانةً كالملوك؟
هل يُمكن لأحدٍ أن يدّعي، مع هدم وكالات وقوانين البيئة -التي يفترض أن تُساعدنا في مواجهة الإبادة البيئية الوشيكة، أخطر تهديدٍ للوجود البشري- وجود أيّ اهتمامٍ بالصالح العام؟ هل يُمكن لأحدٍ أن يُجادل بأن الولايات المتحدة هي حامية حقوق الإنسان، والديمقراطية، والنظام القائم على القانون، و”فضائل” الحضارة الغربية؟
سلطة مطلقة خارج القانون
وهذا يقود إلى فنزويلا، حيث اختُطف رئيس الدولة وزوجته، سيليا فلوريس، ونُقلا سرًا إلى نيويورك في انتهاك صارخ للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لم تُعلَن الحرب على فنزويلا، كما لم تُعلن الحرب لدى قصف إيران واليمن. لم يُوافق الكونغرس على اختطاف وقصف المنشآت العسكرية في كاراكاس لعدم إبلاغه بالأمر.
سوّغت إدارة ترامب الجريمة -التي أودت بحياة 80 شخصًا- كمداهمة مخدرات وكانتهاك لقوانين الأسلحة النارية الأميركية، وهو الأغرب: “حيازة رشاشات وأجهزة تدميرية؛ والتآمر لحيازة رشاشات وأجهزة تدميرية“.
هذه الاتهامات لا تقل سخافة عن محاولة تبرير الإبادة الجماعية في غزة باعتبارها “حقًا إسرائيليًا في الدفاع عن النفس“.
من يحكم فنزويلا؟ من يحكم غزة؟ هل يهم ذلك؟
إذا لم تركع الدول والشعوب لسلطة “مولوخ” إله البطش بواشنطن، فسيتم قصفها. الأمر لا يتعلق بإقامة حكم شرعي، ولا يتعلق بإجراء انتخابات نزيهة. يتعلق الأمر باستخدام التهديد بالموت والدمار لفرض الخضوع التام.
أوضح ترامب هذا الأمر جليًا عندما حذر الرئيسة الفنزويلية المؤقتة، ديلسي رودريغيز، قائلاً: “إذا لم تفعل الصواب، فسوف تدفع ثمنًا باهظًا، ربما أكبر مما وقع لمادورو“.
لم يكن اختطاف مادورو بسبب تهريب المخدرات أو حيازة الأسلحة الرشاشة، بل يتعلق الأمر بالنفط. وكما قال ترامب، لكي تتمكن الولايات المتحدة من “إدارة” فنزويلا.
انقلابات وتغيير الأنظمة الحاكمة
تنهار الدول المُستهدفة بتغيير أنظمتها، كما حدث في هايتي، حيث أطاحت الولايات المتحدة وكندا وفرنسا بالرئيس جان برتران أريستيد عامي 1991 و2004. وأدى هذا الانقلاب إلى انهيار المجتمع والحكومة، وحروب بين العصابات، وتفاقم الفقر. وتكرر الأمر في هندوراس فأطاح انقلاب بدعم أميركي عام 2009 الرئيس مانويل زيلايا.
وتولى هيرنانديز، الذي عفا عنه ترامب مؤخرًا، الرئاسة عام 2014، وحوّل هندوراس إلى دولة مخدرات، كما فعل حامد كرزاي، دمية الولايات المتحدة بأفغانستان، الذي أشرف على إنتاج 90 في المئة من هيرويين العالم. ثم هناك ليبيا، وهي دولة أخرى تمتلك احتياطيات نفطية هائلة. فعندما أطاح حلف “الناتو” بمعمر القذافي خلال إدارة أوباما عام 2011، انقسمت ليبيا إلى جيوب يسيطر عليها أمراء حرب وميليشيات متنافسة.
قائمة المحاولات الكارثية الأميركية لتغيير الأنظمة طويلة للغاية، وتشمل كوسوفو وسوريا وأوكرانيا واليمن. جميعها أمثلة على حماقة التوسع الإمبريالي المفرط، وتنبئ جميعها بالمصير الذي ينتظر أمريكا.


