اراء

“مجلس السلام”.. هل انتهى زمن الحلول السياسية للقضية الفلسطينية؟

بقلم: شرحبيل الغريب..

لم يكن الإعلان رسمياً عن “مجلس السلام العالمي” بقيادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلا تتويجاً لمسار تبنّته الإدارة الأميركية عبر خطة الرئيس ترامب المعروفة بـ”خطة العشرين نقطة” لإنهاء الحرب على قطاع غزة ورؤيته لتسويه الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، ولم يأت هذا الإعلان إلا تتويجاً لمسار سياسي طويل من الإخفاقات الدولية والانحيازات الواضحة لـ”إسرائيل” والعجز الدولي عن إنتاج وفرض حلول سياسية عادلة تضع حداً لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي وفق ما أقرّته كل القوانين والشرائع الدولية، وتستجيب للحقوق الوطنية الفلسطينية.

ما طرح في “مجلس السلام العالمي” هو مشروع دولي تقوده الولايات المتحدة الأميركية، وهو بالمناسبة ليس مشروعاً سياسياً خاضعاً للتفاوض، كما هو معهود، وليس مساراً سياسياً بالمفهوم السياسي الإستراتيجي للحلول السياسية، بل صيغة جاهزة للتنفيذ تعكس تحوّلاً عميقاً في طريقة تفكير النظام الدولي الذي تتزعّمه واشنطن تجاه القضية الفلسطينية، والواضح أن طريقة التفكير هذه تعكس تحوّلاً صريحاً من البحث عن حلّ سياسي شامل للقضية الفلسطينية إلى محاولة لإدارة الصراع واحتوائه بأدوات أمنية وإنسانية بديلة عن الحلول السياسية المعهودة.

مع إطلاق ما سمّي “مجلس السلام العالمي” بقيادة الرئيس ترامب تحوّل الحديث تجاه الحل للصراع الفلسطيني- الإسرائيلي كلياً، وما طرحه المجلس يُعدّ مقاربة دولية لم يعد الهدف منها إنهاء الاحتلال الإسرائيلي بالنص الواضح والصريح، أو تفكيك أسباب وجوده على الأراضي الفلسطينية المحتلة بل قزَّمَ المشهد إلى كلفة أمنية وإنسانية بحتة .

هذا التحوّل نقل الصراع من قضية تحرر وطني إلى قضية ذات بعد إنساني وأمني بالدرجة الأولى، أي إعادة هندسة الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي من قضية سياسية إلى قضية إنسانية أمنية بامتياز، كما أعيد تعريف الفلسطيني لا بوصفه صاحب حق بل باعتباره طرفاً متأثراً أكثر ما يحتاجه هو تلبية متطلباته المعيشية وشؤونه وضبط سلوكه الوطني بعد نزع الفكر المقاوم من عقله ووجدانه.

قد يسأل البعض، هل شكّل الإعلان عن “مجلس السلام” وصاية دولية بثوب جديد على الشعب الفلسطيني أم بارقة أمل جديدة يمكن أن توجد حلّ للقضية الفلسطينية؟

فكرة “مجلس السلام” بوصفها إطاراً دولياً وإقليمياً يهدف إلى تحقيق نوع من الاستقرار المؤقت بعد حرب استمرت لمدة عامين في قطاع غزة، ويضمن الإغاثة وإعادة الإعمار وتحسين الأوضاع الإنسانية والإغاثية ومنع تجدد الحرب في المنظور القريب، إلا أن هذه الأهداف رغم أهميتها تُخفي جوهراً إشكالياً يتمثل في تكريس نوع من الوصاية الدولية على الشعب الفلسطيني عند الحديث عن إدارة دولية للشأن الفلسطيني سواء كانت في غزة أو في غيرها، ما يعني عملياً سحب القرار السياسي من يد الفلسطينيين وتحويل قضيتهم من مسألة تحرر وطني إلى مسألة ذات بعد إداري إنساني أمني بامتياز. وفي هذا الصدد، تستبدل الأسئلة الكبرى حول الحديث عن السيادة والحدود واللاجئين والقدس والأسرى بأسئلة مقزمة تدور حول الإغاثة والمعابر والأمن والخدمات الإنسانية بالدرجة الأولى.

لا يمكن لأي طرف، محلياً كان أو دولياً، إنكار حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها الفلسطينيون بعد عامين من الإبادة، تحديداً في قطاع غزة، لكن التعامل مع هذه الكارثة بمعزل عن أسبابها السياسية يحوّل الإغاثة إلى أداة سياسية بحد ذاتها، وحين تستخدم المساعدات كوسيلة للابتزاز والتحكم وتربط بضرورة ضمان استمرار الهدوء في قطاع غزة فيما يُجرََم أي فعل مقاوم بوصفه تهديداً للسلام، وفي الواقع لا يوجد للسلام رصيد على أرض الواقع إذ إن القتل والقصف مستمران، بهذه الحال تفرغ القضية الفلسطينية من مضمونها السياسي ويعاد إنتاجها كملف إنساني طويل الأمد عبر دول لها عضوية في مجلس السلام، من دون طرح أي أفق حقيقي للعمل على استعادة أي من الحقوق الفلسطينية.

ثمة سؤال يطرح نفسه في هذا الصدد، هل انتهى فعلاً زمن الحلول السياسية، أم أن ما نشهد هو محاولة لفرض تصفية واضحة للقضية الفلسطينية بطريقة جديدة؟

السيناريو الأول/ يتمثل في إدارة الصراع طويلة الأمد تتمثل في ترسيخ “مجلس السلام” بما يعني تثبيت حالة اللاحل وإدامة الوصاية الدولية وتحويل القضية الفلسطينية إلى ملف إنساني أمني دائم، وهذا السيناريو قد يخفف من حدة عودة شبح الحرب مرة أخرى، لكنه يراكم حالة من الإحباط والإنهاك للشعب الفلسطيني، اقتصادياً واجتماعياً.

السيناريو الثاني/ مسار الانفجار المؤجل، وفرض الوصاية الدولية مع محاولات الاحتواء وتهميش البعد السياسي، سيؤدي إلى انفجار جديد قد يكون أكثر تعقيداً وشمولاً، والتأريخ يقول إن الصراعات التي لا تحل سياسياً لا تختفي بل تعود بأشكال أكثر حدة عندما تتغير الظروف وتصبح مؤاتية.

السيناريو الثالث/ يتمثل بإعادة تسييس القضية وهو السيناريو الأصعب لكنه الأكثر انسجاماً مع منطق التأريخ، إذ يتمثل في استعادة الفلسطينيين زمام المبادرة السياسية، وبناء مشروع وطني جامع يعيد طرح القضية بوصفها قضية تحرر وطني من خلال استثمار التحولات الدولية التي قد تطرأ.

الحقيقة الثابتة هي أن الرئيس ترامب أطلق مساراً يشكل تصفية للقضية الفلسطينية عبر كسر ثوابتها،  هذا المسار لا توجد فيه سيادة للفلسطيني ولا تمثيل ولا حق تقرير مصير ولا سيادة في قرار سياسي فلسطيني، لكن التأريخ يقول إنه أخطأ في تقدير العامل الحاسم، غزة ليست جغرافيا فقط بل إرادة سياسية ومجتمع مقاوم بالفطرة، لربما تفرض ترتيبات مؤقتة هنا وهناك لكن التصفية ستفشل، لأن القضايا العادلة لا تُنهى بقرارات من مجالس عالمية لا تُقِرُّ بحقوق الضحية وتضمن وجود وشرعية المحتل، فالقضايا العادلة تُحسم بقدرة أصحابها على الصمود وإعادة إنتاج مشروعهم الوطني من جديد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى