الدولار رهينة التجاذبات السياسية وتقلباته تربك الأسواق

الاقتصاد ساحة مفتوحة للمضاربين
المراقب العراقي/ أحمد سعدون..
يُعد الدولار من أكثر الملفات تأثيراً على حياة المواطنين وعلى استقرار السوق المحلية، إذ لم يعُدْ مجرد عملة أجنبية تُستخدم في الاستيراد والتبادل التجاري، بل تحول الى مؤشر سياسي واقتصادي يعكس طبيعة القرارات الحكومية وحجم الضغوط الداخلية والخارجية، وفي ظل خضوع أسعار الدولار للإفرازات السياسية والتجاذبات بين القوى المختلفة، فقد أصبحت السوق ساحة مفتوحة للمضاربات، ويكون المواطن البسيط أول من يدفع ثمن هذا الاضطراب من قوته اليومي وقدرته الشرائية.
وأن ارتباط سعر الدولار بالقرارات السياسية يظهر بوضوح عند كل أزمة او توتر سياسي، سواء أكان داخلياً أو خارجياً، فمجرد صدور تصريح او تسريب عن تغيير في السياسات المالية او النقدية، او فرض قيود على التحويلات، فإن ذلك يفتح باب المضاربات بسعر الدولار في السوق الموازي خلال ساعات.
هذا الارتفاع لا يكون ناتجاً عن أسس اقتصادية حقيقية كزيادة الطلب الفعلي او نقص حاد في المعروض، بل نتيجة مخاوف وتوقعات تغذيها الإشاعات وضعف الثقة بين المواطن والمؤسسات الرسمية.
وتنعكس هذه التقلبات بشكل مباشر على السوق، حيث ترتفع أسعار السلع الغذائية والمواد الاساسية، حتى تلك المنتجة محلياً، بحجة ارتفاع كلفة الاستيراد او الخوف من تقلبات مستقبلية، وهنا تكمن المشكلة الكبرى، فالتاجر يسارع الى رفع الاسعار تحسباً، والمواطن يجد نفسه أمام موجة غلاء جديدة دون أن يكون دخله قد تغير، ومع تكرار هذه الظاهرة، تتسع دائرة الفقر، ويصبح الاستقرار المعيشي رهينة لسعر الدولار اليومي.
وحول هذا الموضوع أكد الخبير الاقتصادي أحمد الوائلي في حديث لـ”المراقب العراقي “، أن “حماية السوق من مضاربات الدولار تتطلب أولا فصلاً واضحاً بين القرار الاقتصادي والاعتبارات السياسية، فاستقلالية السياسة النقدية ليست شعاراً، بل ضرورة لحماية العملة المحلية”.
وأضاف، إن ” على البنك المركزي امتلاك مساحة كافية لاتخاذ قراراته بعيداً عن الضغوط، وأن يعلن سياساته بشفافية ووضوح لتقليل مساحة الإشاعة والتأويل، لأنه كلما كانت المعلومات الرسمية دقيقة وسريعة، تراجعت قدرة المضاربين على استغلال الفراغ المعلوماتي”.
كما شدد الوائلي على “ضرورة تعزيز الثقة بالقطاع المصرفي لأن جزءًا كبيرا من الطلب على الدولار ناتج عن ضعف ثقة المواطنين بالبنوك والادخار بالدينار، وذلك عندما يشعر المواطن أن أمواله في المصارف آمنة ويمكنه سحبها وتحويلها بسهولة، تقل الحاجة الى اكتناز الدولار كملاذ آمن، مؤكداً أن ذلك الامر يحتاج إصلاحاً مصرفياً حقيقياً، وتحديث الانظمة، وتسهيل الاجراءات، ومكافحة الفساد داخل المؤسسات المالية”.
ومن الحلول المهمة أيضاً ، حسب رأي المراقبين، تنظيم عمليات الاستيراد وربطها بشكل أكثر دقة بالحاجة الفعلية للسوق، فالكثير من الطلب على الدولار يذهب الى استيرادات غير ضرورية او مُبالَغ فيها، ما يفتح الباب امام تهريب العملة واستنزاف الاحتياطي، مبينين أن دعم الإنتاج المحلي، ولو بشكل تدريجي، يسهم بتقليل الاعتماد على الدولار ويمنح السوق نوعاً من الحماية الذاتية من الصدمات الخارجية.
ووفق كل هذه الإجراءات لا يمكن إغفال دور الرقابة الحكومية في ضبط الاسعار ومنع التلاعب، فغياب الرقابة او ضعفها يشجع بعض التجار على استغلال أي ارتفاع في سعر الصرف لتحقيق ارباح سريعة على حساب المواطن، وأن وجود آليات واضحة لمراقبة الاسواق، وفرض عقوبات حقيقية على المتلاعبين، يحُدَّان من انتقال تقلبات الدولار الى اسعار السلع بشكل مبالغ فيه.
ويُعتبر الاستقرار السياسي عاملاً حاسماً في استقرار سعر الصرف، فكلما كانت البيئة السياسية مستقرة والرؤية الاقتصادية واضحة، تراجعت المضاربات وهدأت السوق، والمواطن لا يطلب معجزات، بل يبحث عن حد أدنى من الاستقرار يضمن له أن لا يتحول راتبه الى رقم بلا قيمة مع كل أزمة، وحماية السوق من مضاربات الدولار ليست مهمة جهة واحدة، بل مسؤولية مشتركة تبدأ من القرار السياسي المتزن وتنتهي عند تاجر يضع مصلحة المجتمع قبل الربح السريع.



