لعبة الدومينو الأخيرة.. لماذا أجهضت نيجيريا الانقلاب في دولة بنين؟

بقلم: محمد حسب الرسول..
عندما اخترقت طائرات نيجيريا الحربية الأجواء في دولة بنين الأحد الماضي، لم تكن تحمل قنابلها نحو مقارّ الانقلابيين فحسب، بل كانت تحمل في مسارها رسالة جيوسياسية مصيرية: “هنا ينتهي مسار التمرد على الاستعمار الغربي”.
ما قامت به نيجيريا لم يكن مجرد عملية عسكرية لقمع انقلاب عسكري، بل كان إجهاضاً متعمداً لمسار تأريخي كاد أن يعيد رسم خريطة النفوذ في غرب أفريقيا. كانت سرعة تحرك نيجيريا التي عُرفت بترددها في التدخلات الخارجية لافتة، وتكشف عن حسابات تتخطى ادعاء المحافظة على الديمقراطية والاستقرار.
لماذا كانت بنين آخر حصن يجب أن يسقط؟
يظل اكتمال خريطة التمرد ضد النفوذ الفرنسي في غرب أفريقيا، رهيناً بتحرر بنين من ذلك النفوذ، ولو نجح الانقلاب العسكري فيها، لاكتمل بناء القوس الثوري بالتحاقها بمسيرة التحرر التي انتظمت، مالي وبوركينا فاسو والنيجر، ولتمكنت هذه الدول من كسر الحصار المضروب عليها بالوصول إلى ساحل أفريقيا على الأطلسي، لأن بنين مثلت الحلقة المفقودة في مسار نموذج الساحل الثوري، وبهذا المعنى يمكن النظر إلى الانقلاب في سياق قلب معادلة القوة الإقليمية أكثر منه انقلاباً على نظام حكم.
الاتصال القاتل.. كيف حولت مكالمة هاتفية اتجاهات الريح؟
يكشف التسلسل الزمني للأحداث عن طبيعة التحالف الذي حسم الموقف. فقبل ساعات فقط من الضربات الجوية، أجرى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اتصالاً بالرئيس النيجيري بولا تينوبو. عبارة ماكرون التي أعلنها علناً: “الحياد لم يعد خياراً”، لم تكن مجرد تعبير عن تضامن، بل كانت في سياقها الجيوسياسي، أمراً تنفيذياً واضحاً. كانت الرسالة الموجهة لأبوجا: “المسؤولية عن حماية مصالحنا في هذه المنطقة تقع على عاتقكم الآن”.
كان المشهد بذلك يعيد إنتاج نموذج التفويض الإمبراطوري في قالب حديث: تقدم القوة العظمى القديمة “فرنسا” الغطاء السياسي والمعلومات الاستخبارية الحاسمة، وتوفر القوة الإقليمية الناشئة “نيجيريا” القوة النارية والتكلفة السياسية الميدانية.
التناقض القاتل.. لماذا اختلفت مواقف نيجيريا بين انقلابي النيجر وبنين؟
يُظهر الموقف النيجيري المتضارب من الانقلابات في النيجر ثم في بنين، جوهر التحول في الحسابات الجيوسياسية. ففي 2023، قاومت نيجيريا ضغوطاً داخل تجمع “إيكواس” للتدخل عسكرياً في النيجر بعد انقلابها، وتبنّت خطاب السيادة والحلول الدبلوماسية. أما في 2025، فقادت بنفسها تدخلاً عسكرياً سريعاً وعنيفاً في بنين. الفارق الحاسم لم يكن في طبيعة فعل الانقلاب، بل في اتجاه بوصلته الجيوسياسية.
عندما اتجه انقلاب النيجر بعيداً عن فرنسا ونحو تحالفات جديدة، رأت نيجيريا أن الحياد وعدم التدخل هما الموقف الأمثل. كان ذلك يحقق توازناً بين الضغوط الغربية والمشاعر الشعبية الأفريقية المناهضة للاستعمار داخل نيجيريا نفسها. أما عندما هدد الانقلاب في بنين بتغيير اتجاه البوصلة بعيداً عن فرنسا أيضاً، تحول الموقف فجأة إلى ضرورة عسكرية ملحة. كشف هذا التناقض أن المعيار الحاكم في أبوجا لم يُعِر مبادئ عدم التدخل أي اعتبار، بل غلّب مصلحة النظام على كل اعتبار، وهذا فقط ما بات يحمي النظام الإقليمي المتحالف مع الغرب.
ماذا كسبت نيجيريا وماذا خسرت في سماء كوتونو؟
من الناحية العسكرية المباشرة، سُجّل النصر للتحالف الذي قادته نيجيريا. تم احتواء المحاولة الانقلابية وعاد الهدوء إلى العاصمة الاقتصادية كوتونو، لكن هذا الانتصار التكتيكي يحمل في طياته، ثمناً استراتيجياً باهظاً قد تدفعه نيجيريا على المديين المتوسط والطويل.
لقد كسبت نيجيريا، تأكيداً لدورها كقوة إقليمية مفوّضة من قبل القوى الغربية، وقدرةً على حماية مصالحها الاقتصادية الحيوية في أحد أهم الموانئ المجاورة لها، كما أرسلت رسالة ردع واضحة لأية قوى داخلية أو إقليمية أخرى قد تفكر في زعزعة النظام القائم في الدول الحليفة.
جيوش “وطنية” في حراسة مصالح خارجية
مع إخماد شرارة الانقلاب في بنين، يبقى السؤال الأعمق والأكثر إلحاحاً معلقاً في أجواء المنطقة: من المستفيد الحقيقي على المدى البعيد؟ لقد نجح التحالف الفرنسي-النيجيري في تأجيل حدوث زلزال جيوسياسي، لكنه فشل في معالجة الأسباب البنيوية العميقة التي تسبب هذه الزلازل، أي الغضب المتراكم من الهيمنة الخارجية والإحباط من أنظمة تُعتبر غير ممثلة لشعوبها.
المعضلة الحقيقية التي كشفت عنها أزمة بنين هي تحول أدوات الحل التقليدية نفسها إلى جزء من المشكلة. فالجيوش الوطنية، التي تجيء حماية سيادة البلاد في أعلى قائمة مهامها، أصبحت في بعض المشاهد، أداة لحماية مصالح خارجية. والمنظمات الإقليمية التي أُنشئت لتعزيز التكامل، تحولت إلى أطراف فاعلة في عقاب الدول المتمردة على “الاستعمار” الجديد. والقادة الوطنيون، وجد بعضهم نفسه في موقع حرج بين مطالب الشعوب وضغوط الحلفاء الأجانب.



