اراء

وسط واقع اقتصادي واجتماعي خانق.. “رجل الصفقات” باقٍ في دمشق

بقلم: جو غانم..

ما تزال دوامة الأحداث مستمرة بقوة في الداخل السوري، إذ لا يكاد يمرّ أسبوع واحد من دون حدث كبير في دلالاته، يضع الدولة والمجتمع على المحك. ويرفع من وتيرة الأخطار التي تزيد من استعار النار تحت رماد “السلم الأهلي“.

وقد برزت هذا الأسبوع قضية الطبيبة رانيا العباسي وعائلتها، وذلك بعد أن أصدرت “الهيأة العامة للعدالة الانتقالية” بيانًا أعلنت فيه أنّ أطفال العائلة الستة قد تمّ قتلهم على يد عنصر الأمن في الحكومة السابقة أمجد يوسف (المتّهم بتنفيذ مجزرة حيّ التضامن أيضًا).

لتعود مأساة تلك العائلة إلى صدارة المشهد، وتعود معها حملات الجدل والشحن والتحريض الطائفي، والتي بلغت لدى البعض حدّ المطالبة بمقاطعة أبناء مكوّن سوري كامل ونبذهم وعدم التعامل معهم بأي شكل من الأشكال.

بيد أنّ شرائح من المجتمع السوري قد تنبّهت إلى خطورة هذا الأمر، وخرجت بدعوات إلى الوحدة بين مكونات الشعب السوري، ونبذ الأصوات الطائفية والإقصائية. وقد شهدت مدينة “إدلب” هذا الأسبوع بالفعل، تظاهرة شعبية رفع القائمون عليها لافتات تدعو إلى التمسك بوحدة المجتمع السوري، والتحذير من توجيه الاتهامات إلى شرائح ومكونات اجتماعية لا ذنب لأبنائها فيما فعلته السلطة السابقة التي كانت تحوي قيادات ومسؤولين من جميع المكونات، ما قد يزيد من اتساع الشرخ بين أبناء المجتمع الذي تعاني مختلف شرائحه، ضائقة اقتصادية ومعيشية خانقة، وسط انسداد أفق سياسي واقتصادي واضح، جعل الكثير من السوريين يفقدون الأمل بتحسّن الحال على جميع الصعد في وقت قريب.

ووسط كل هذا، وبعد مقاربات وتحليلات سورية راهنت على تغيّر السياسة الأميركية حيال الإدارة السورية الحالية، برز ملفّ المبعوث الرئاسي الأميركي، توم براك، ليعيد رسم مشهد السياسة الأمريكية في سوريا والمنطقة. حيث كان العديد من المراقبين السوريين المناوئين لسلطة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، قد رأوا أنّ جميع المعطيات تشير باتجاه أنْ يخرج براك من سوريا من دون رجعة، كإعلان أميركي صريح عن فشل طرق إدارته للملف السوري، وعن انتهاء كل المهل التي مُنحت للحكومة السورية لإجراء تغييرات سياسية واقتصادية في البلاد، وإيذان ببدء مرحلة جديدة من التعاطي الأميركي مع دمشق.

وبالفعل، أعلن وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، عن انتهاء مهام المبعوث الرئاسي الأميركي الخاص إلى سوريا، وعبّر عن شكره له وتقديره للجهود التي بذلها خلال أكثر من عام ونصف. لكن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، لم ينتظر طويلًا لكي “يُصحّح” الأمر على طريقته، فقد أعلن سريعًا عن تعيين براك مبعوثًا رئاسيًّا خاصًّا إلى سوريا والعراق معًا.

وبحكم خلفية باراك كملياردير ومستثمر عقاري، وأيضًا كمتّهم خرج بأعلى كفالة مالية سُجّلت في تأريخ القضاء الأميركي، وشخص ذُكِر اسمه في “ملفات إبستين”، فإنّ كل هذا في نظر العديد من المراقبين والناشطين السياسيين السوريين، يؤكّد أن الرجل لا ينظر إلى الملف السوري من زوايا حقوق الإنسان أو العدالة الانتقالية أو مصالح شعوب المنطقة عمومًا، بل من زاوية المصالح المتبادلة والصفقات الرنانة، التي لا مشكلة في أنْ تأتي على حساب كل الشعارات والمبادئ التي طالما تغنّت بها الدوائر الأميركية، أو تطلّع إليها الشعب السوري.

فباراك هذا، هو من بدأ في رسم وصياغة مسار يعتمد على “تخفيف العقوبات مقابل انفتاح سياسي”، وهو مسار هدف إلى دفع دمشق نحو صفقات تتضمن تفاهمات أمنية مع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) لضمان استقرار حقول الطاقة والنفط في الشرق السوري، تلاه مباشرةً توقيع اتفاقية مع شركة “شيفرون” الأميركية. كما سعى بقوة إلى الدفع باتّجاه إقرار “اتفاق أمني” بين السوريين والإسرائيليين، يُعطي لـ”إسرائيل” الحق في السيطرة على جبل الشيخ ومناطق إضافية من الجنوب السوري، تحت عناوين اقتصادية واستثمارية يجري تقديمها باعتبارها ستجلب فائدة اقتصادية كبرى للسوريين.

ويرى هؤلاء، أن إعادة تعيين باراك في منصبه، تعني عمليًّا تحويل المسار السوريّ إلى ملفّ “تجاري – أمني” يُدار من مكتب السفير في أنقرة، بعيدًا عن أروقة مجلس الأمن أو تعقيدات جنيف. وهذا التوجّه يضع الأطراف المحلية السورية (الحكومة والمعارضة على السواء) في موقع المترقّب لِمَا سيُمليه “الوسيط” القادم من واشنطن، الأمر الذي يُفرّغ أي حوار وطني سوري من مضمونه، ويحوّله إلى مجرد استجابة لضغوط باراك السياسية والاقتصادية.

وبذلك، تصبح السياسة الأميركية حيال سوريا، رهينة لطموحات الرجل الشخصية المتمثلة في السعي لتحقيق “نجاح سريع” يُحسب للرئيس ترامب. وهو ما سوف يؤدي إلى تفاقم الانقسامات الداخلية، وتكريس صورة باراك لدى أوساط سورية وإقليمية واسعة باعتباره “مُيسِّر صفقات مشبوهة” تأتي على حساب استقرار المجتمع السوري وأمنه وتطلعاته.

والواقع أن القدرة الشرائية للمواطن السوري قد تآكلت تمامًا، في الوقت الذي ارتفع سعر صرف الليرة السورية ليتجاوز الـ /14000/ ليرة للدولار الواحد. ومع غياب الفاكهة عن موائد السوريين وتحولها إلى “رفاهية غائبة”، بات متوسط تكاليف الأسرة الواحدة بحسب تقارير صحفية نشرتها عدة مواقع سورية مختصة، يتراوح بين /7,7/ مليون ليرة للعيش عند “حدّ الكفاف”، و/11/ مليونًا للعيش “بكرامة وستر”. ما أعاد للأذهان مشهدًا اختبره المواطن السوري في الفترة التي سبقت سقوط النظام السابق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى