اراء

مسار واشنطن بين لبنان و”إسرائيل”.. إعادة إنتاج نموذج أوسلو

بقلم: ليلى نقولا..

تطرح التفاهمات التي أُعلنت بين لبنان و”إسرائيل” في نيسان وحزيران 2026 إشكالية تحليلية تتجاوز مضمونها السياسي المباشر، لتصل إلى بنيتها القانونية العميقة.

فهذه النصوص، تكشف عن تبنّي مقاربة مألوفة في حل النزاعات بين العرب و”إسرائيل” برعاية أمريكية، والتي تقوم على التدرج الأمني، والسيطرة على سيادة ونطاق الطرف العربي، مع الإبقاء على هامش واسع من الحركة لـ”إسرائيل“.

ومن هنا، تبرز أهمية مقارنة هذه التفاهمات مع اتفاقيات أوسلو بين السلطة الفلسطينية و”إسرائيل”. ونوردها فيما يلي:

الطابع المرحلي والقفز على الأمور السيادية

من حيث البنية، تؤسس التفاهمات التي عقدتها السلطة اللبنانية مع “إسرائيل” لمرحلة انتقالية، تقوم على تأجيل المطالب السيادية اللبنانية، وتأجيل الحل النهائي إلى مراحل لاحقة، وهو ما حصل في أوسلو تماماً.

تم الانتقال في أوسلو من إعلان مبادئ إلى ترتيبات تفصيلية من دون حسم القضايا الجوهرية (القدس والحدود وعودة اللاجئين). كذلك في لبنان تم الحديث عن إطلاق وقف إطلاق نار أو هدنة مؤقتة، ثم إنشاء ترتيبات انتقالية، وتأجيل الحلول النهائية إلى مفاوضات لاحقة، وهذا يعني تأجيل موضوع الانسحاب الإسرائيلي من الأرض وعودة السكان، وعودة الأسرى وغيرها من القضايا الجوهرية اللبنانية.

أولوية الأمن الإسرائيلي

العنصر الحاسم في الحالتين هو أولوية الأمن الإسرائيلي. في أوسلو، أُنشئ نظام تنسيق أمني، وأُلزم الطرف الفلسطيني بضبط الفصائل المسلحة، ومنعها من الاعتداء على “إسرائيل”، واحتفظت الأخيرة بحرية التدخل العسكري ساعة تشاء في الأراضي الفلسطينية وحرية التوغل والقصف.

وكانت مهمة قوى الأمن الفلسطينية، حفظ النظام الداخلي، وضبط السلاح، والتنسيق مع “إسرائيل” واعتقال المقاومين، أو منعهم من القيام بعمليات ضد “إسرائيل”، وتستطيع “إسرائيل” القيام بذلك بنفسها إذا ما رأت تهديداً، لكن لا يسمح لها بالدفاع عن النفس ضد “الجيش” الإسرائيلي، أو العمل كجيش سيادي (حين يتوغل الإسرائيلي تقوم إما بالانسحاب من الشوارع أو العودة إلى مقارها).

في التفاهمات اللبنانية الحالية، هناك التزام لبناني بأن يقوم الجيش اللبناني بـمنع أي عمليات ضد “إسرائيل”، وتفكيك الجماعات المسلحة، مقابل احتفاظ “إسرائيل” بحق “حرية الحركة داخل لبنان”، و”الدفاع عن النفس في أي وقت” (وهو ما جاء في إعلان نيسان).

في بيان نيسان، تظهر الالتزامات المفروضة فقط على الجانب اللبناني، ويقترن ذلك بنص صريح يمنح “إسرائيل” حق اتخاذ “جميع التدابير اللازمة للدفاع عن النفس”، بما يشمل “الحالات المخططة أو الوشيكة أو الجارية”. هذه العبارة، بصيغتها الواسعة، تشكل قاعدة قانونية مفتوحة تتيح للطرف الإسرائيلي القتل والقصف في لبنان حتى وقائياً ومن دون وجود تهديد ظاهر.

التقسيم الجغرافي الذي يؤبد الاحتلال

تُظهر صيغة “المناطق التجريبية” الواردة في بيان حزيران تشابهًا وظيفيًا واضحًا مع منطق التقسيم الجغرافي الذي اعتمدته اتفاقيات أوسلو من خلال مناطق (أ، ب، ج). في التجربة الفلسطينية، قُدِّم هذا التقسيم بوصفه ترتيباً مؤقتًا يهدف إلى نقل السلطة تدريجيًا إلى الجانب الفلسطيني، غير أن التطبيق الميداني أنتج واقعًا مختلفًا إلى حد كبير عمّا نصّت عليه الاتفاقيات.

في المنطقة (أ)، التي كان يفترض أن تخضع لسيطرة فلسطينية كاملة مدنيًا وأمنيًا، بقيت الإدارة اليومية بيد السلطة، لكن ذلك لم يمنع تدخل “الجيش” الإسرائيلي المتكرر عبر الاقتحامات والاعتقالات، ما أفرغ مفهوم “السيطرة الكاملة” من مضمونه الأمني الفعلي.

أما المنطقة (ب)، التي خُصصت لإدارة مدنية فلسطينية مع تنسيق أمني مشترك، فقد شهدت عمليًا تفوقًا واضحًا للجانب الإسرائيلي في المجال الأمني، إذ احتفظت “إسرائيل” بحرية الدخول والسيطرة عند الحاجة، ما قيّد الفاعلية الفلسطينية إلى حد كبير.

وفي المنطقة (ج)، التي كان يفترض أن تنتقل تدريجيًا إلى السيطرة الفلسطينية، استمر الحضور الإسرائيلي الكامل، مدنيًا وأمنيًا، مع توسع كبير في الاستيطان وفرض قيود صارمة على البناء والاستخدام الفلسطيني للأراضي، بما في ذلك هدم المنشآت بحجة عدم الترخيص، الأمر الذي أدى إلى تثبيت سيطرة إسرائيلية مباشرة على الجزء الأكبر من الضفة الغربية.

هذه التجربة تُظهر كيف يمكن لتقسيم جغرافي ذي طابع انتقالي أن يتحوّل إلى بنية دائمة تعيد إنتاج موازين القوة بدل تعديلها، وهو ما يجعل مفهوم “المناطق التجريبية” في السياق اللبناني يشبه واقع الضفة الغربية التي يقوم الاحتلال بقضمها يوماً بعد يوم، ويمهد لضمها كلياً، وهو ما يعني أن “إسرائيل” تسعى لضم جنوب لبنان كلياً عبر القضم.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى