اراء

غزة زلزلت الإمبراطورية ومهّدت الطريق لممداني

بقلم: جود بركات..

على مدى 77 عامًا، عانى الفلسطينيون من الفصل العنصري والإبادة الجماعية المنهجية والتطهير العرقي، بينما كان العالم يغض الطرف.

في السابع من أكتوبر عام 2023، وجّهت المقاومة الفلسطينية في غزة، ضربة مضادة باستراتيجية هزّت كيان النظام الصهيوني، فأضعفت جيشه وأجهزته الاستخبارية وصورته التي طالما ادّعى بها “عدم الهزيمة”. هذه المرة، انتبه الغرب -لأن من بين المتأثرين لم يكونوا الفلسطينيين وحدهم، الذين طالما اعتُبر فقدان حياتهم أمرًا مقبولًا، بل مست الضربة المستوطنين الغربيين أنفسهم على الأرض المحتلة. وعندما طالت أرواحًا يهودية، شعر الناس بأن عليهم أن يهبّوا للدفاع، بدافع من الحاجة لحماية ما يُسمى بـ”حق” إسرائيل في استعمار الأرض الفلسطينية، تحت الادعاء المألوف بأن إسرائيل “تدافع عن نفسها”.

وفي خضم ذلك، بدأ الأمريكيون يرون ما كانت وسائل الإعلام السائدة -الخاضعة للمصالح الصهيونية- تخفيه منذ زمن. لأول مرة، وصلت إليهم أصوات الفلسطينيين مباشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كاشفة أهوال نظام إبادة جماعية والدعم غير المشروط الذي يتلقاه من قوى إمبريالية، وعلى رأسها الولايات المتحدة. هذا الصدام مع الحقيقة، انقلب سريعًا إلى الداخل. بدأ الأمريكيون يتساءلون: من الذي يسيطر فعلاً على الولايات المتحدة؟ هل هي ديمقراطية حقيقية؟ لماذا تتدفق أموال دافعي الضرائب إلى دول أجنبية بينما يعاني الملايين في الداخل من التشرد، وارتفاع تكاليف التعليم، وسوء الرعاية الصحية؟.

قبل أحداث عام 2023، كان المحللون السياسيون يتوقعون أن الولايات المتحدة تسير في مسار متواصل نحو اليمين. فمع رئاسة ترامب الأولى، واستشراء الفساد المؤسسي، وهيمنة النخب الراسخة، لم يواجه هذا المسار مقاومة تُذكر، رغم تصاعد العنصرية، والتضخم، وانعدام الأمن الوظيفي، وانهيار أنظمة الرعاية الصحية إلى مستويات غير مسبوقة. لكن ما حدث كان يقظة – لم تكن فقط بدافع التعاطف، بل نتيجة إدراك فجّ لحقيقة الإمبراطورية وفشل منظومتها الداخلي. لقد كان دور غزة أعمق مما تصوره الروايات الشائعة؛ فلم تزرع التعاطف فحسب، بل حطّمت أوهام “الاستثنائية الأمريكية” وكشفت نظامًا قائمًا على العنف والسيطرة وواجهة ديمقراطية زائفة.

لسنوات، ضخّ دافعو الضرائب الأمريكيون، مليارات الدولارات إلى إسرائيل -أكثر من 3.8 مليار دولار سنويًا كمساعدات عسكرية، وما يقارب الـ 18 مليارًا منذ بدء الإبادة في غزة- بينما انهارت المدارس، وارتفعت أسعار السكن، وبقيت الرعاية الصحية محدودة. في المقابل، يتمتع الإسرائيليون برعاية صحية وتعليم مجانيين. وعندما احتجّ الأمريكيون على تمويل إسرائيل، جوبهوا بالاعتقالات والعنف والرقابة. أصبح من الواضح، أن الأنظمة نفسها التي تُستخدم لفرض الهيمنة الإمبريالية في الخارج -من مراقبة وتسليح وسلطات بلا رقيب- تُمارس أيضًا داخل الولايات المتحدة. رأى الناس الحقيقة: النخب الحاكمة تفضّل الحروب الخارجية وأرباحها على رفاه المواطن الأمريكي العادي.

في هذا المناخ السياسي الجديد، لم يكن فوز زهران ممداني مجرد انتصار تقدمي معزول، بل تجسيدًا لشرخ أعمق. ما جعل انتخابه حدثًا لافتًا ليس هويته ولا تصريحاته المؤيدة لفلسطين فحسب، بل كونه فاز وهو يرفض الخضوع لقواعد المؤسسة السياسية. لم يصوّت له الناخبون فقط بسبب مواقفه الخارجية، بل لأنه رفض أداء “طقوس الولاء للصهيونية” التي تهيمن على السياسة الأمريكية، وبدلًا من ذلك تحدث عمّا يمسّ حياة سكان نيويورك فعلاً: السكن، والأجور، والمواصلات العامة، والرعاية الصحية، وكرامة الطبقة العاملة. لقد ربط بين ما تخشاه المؤسسة أكثر من أي شيء: بينما تُرسل المليارات لدعم القوة الاستعمارية، لا يستطيع سكان نيويورك تحمّل كلفة العيش في مدينتهم.

أثبت فوزه، أن المرشح يستطيع أن يرفض ضغوط الممولين، وأن يمتنع عن إعلان الولاء لإسرائيل، وأن يتحدث بصراحة عن فلسطين، وأن يقف إلى جانب المهمشين – وأن ينتصر رغم ذلك، من دون أموال إيباك، معتمدًا كليًا على تحالفات شعبية. وفي وقتٍ كان فيه حتى السياسيون التقدميون المعروفون يتراجعون أو يتحالفون مع المؤسسة، خوفًا على بقائهم، حقق ممداني ما وصفه السيناتور بيرني ساندرز بأنه “أحد أعظم الانقلابات السياسية في التأريخ الأمريكي الحديث”، ليصبح أول مرشح لمنصب عمدة نيويورك يحصل على أكثر من مليون صوت منذ ستينيات القرن الماضي- بفضل التنظيم الشعبي ونهوض الناس لاستعادة قوتهم.

في النهاية، لم يكن ما حدث مجرد تحوّل سياسي، بل إدراك أوسع لطبيعة الإمبراطورية نفسها. غزة لم توقظ الأمريكيين على غزة فقط، بل كشفت العفن تحت أقدامهم، كانت بمثابة مرآة بنيوية، أظهرت الترابط بين السيطرة الخارجية والقمع الداخلي. وبهذا، استطاعت قطعة أرض لا تتجاوز مساحتها 365 كيلومترًا مربعًا، أن تحقق ما اعتُبر مستحيلاً، زعزعة أسس القوى الإمبريالية، وكشف قدرة المستعمَرين والمهمّشين على إعادة تشكيل العالم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى