اراء

قوة احتلال دولية في غزة

بقلم: عماد الحطبة..

في حوار مع إحدى القنوات الأجنبية، أجاب ملك الأردن عبد الله الثاني عن سؤال حول احتمال مشاركة بلاده في القوة الدولية التي تسعى الولايات المتحدة لإرسالها إلى غزّة، قال بوضوح: “لا”، وأوضح، أن بلاده لن تشارك في قوة تعمل على فرض الأمن، ويمكن أن تدخل في مواجهات مع مقاتلين محليين، مع إبداء استعداد الأردن ومصر تدريب ومساعدة قوات أمنية فلسطينية محلية، مطالباً بغطاء من مجلس الأمن لمثل هذه القوة.

الموقف نفسه عبّر عنه أكثر من مسؤول مصري وسعودي، في الوقت نفسه الذي تعلن فيه “إسرائيل” أنها لن توافق على مشاركة قطر وتركيا في القوة المذكورة، فمن الذي سيشارك؟ حتى الدول الإسلامية التي تطرح أسماؤها مثل أندونيسيا، وماليزيا، وباكستان، ليست دولاً مؤثرة في سياق الأحداث، ودورها إجرائي فقط. وسط هذه الترتيبات يبقى السؤال معلقا، هل الموضوع تركيبة القوة الدولية، أم فكرة القوة الدولية نفسها؟ ولماذا تستثنى الشرطة الفلسطينية، التي تنفذ مهامها في الضفة الغربية حسب معايير التعاون الأمني “المقدس” مع العدو؟.

كما يبدو فإن تشكيل القوة الدولية يخضع لمجموعة من الاعتبارات تستبعد جميعها مشاركة سلطة رام الله على المستوى السياسي أو الأمني، بل وتضع مستقبل هذه السلطة بشكلها الحالي موقع التساؤل.

إسرائيليا”؛ لسان حال الحكومة يردد المقولة الشهيرة “الفلسطيني الجيد، هو الفلسطيني الميت”، والموت المطلوب ليس جسدياً فقط، بل وسياسيا أيضا. لقد استطاع العدو تحقيق كلا الهدفين، من جهة قتل نحو ربع مليون فلسطيني، وسط صمت ومباركة دوليين، فكل التظاهرات والمسيرات والمؤتمرات والاتفاقيات بما فيها وقف إطلاق النار الأخير، لم تستطع حماية طفل فلسطيني واحد، ومن جهة أخرى، لا يملك الفلسطينيون أية فرصة لتحقيق الحد الأدنى من طموحاتهم السياسية، في ظل ظرفهم الذاتي والظرف الموضوعي الذي تفرضه هيمنة الولايات المتحدة، وتقاعس بقية العالم.

بعد كل ما حققته، لن تقبل “إسرائيل” بإعادة إحياء الفلسطينيين سياسيا، من خلال استعادة وحدة الضفة وغزّة وإعطاء مادة لمشاريع سياسية جرى دفنها عملياً مثل “حل الدولتين”، فالكيان يسعى إلى تجزئة الضفة الغربية نفسها، وتحويلها إلى جزر سكانية بإدارات محلية بصلاحيات لا تتجاوز صلاحيات المجالس البلدية، حتى السلطة الفلسطينية بشكلها “الهزيل” الحالي تقض مضاجع العدو، لأنها تمثل ما “يشبه” السلطة السياسية في بعض مناطق الضفة الغربية، وهو يسعى لتقويضها واستعادة تجارب ماضية مثل تجربة روابط القرى 1978.

أمريكيا؛ قدمت حرب غزّة للنظام الرأسمالي، فرصة تأريخية مهمة جدا في إطار تجديد هذا النظام لنفسه وأدواته. لقد كرس النظام الرأسمالي، قدراته الفكرية والاقتصادية للإجابة عن سؤال مفاده ما هي أهمية الدولة؟ وهل يمكن استبدالها بجهاز إداري معقد يتولى إدارة العمليات الاقتصادية والاجتماعية بأسلوب الشركات؟.

بعد انهيار هيكل الحكم في غزّة بفعل العدوان الصهيوني، طرح ترامب خطة “الريفيرا الغزاوية” التي تعامل معها كثيرون على أنها شطحة غير قابلة للتحقيق، لاحقا بدت الأمور وكأن ترامب تراجع عن خطته، واستؤنفت الحرب، ليطرح ترامب خطة ثانية تبدو وكأنها تختلف عن سابقتها.

تقوم الخطة على وقف إطلاق النار بضمانات دولية، وتشكيل لجنة (مجلس) إدارة لقطاع غزّة من شخصيات محلية ودولية، تعمل على إنفاذ خطة ترامب (إعادة الإعمار) بواسطة قوة دولية ذات طابع إسلامي، وبمشاركة شركات عالمية تعمل في مشاريع إعادة الإعمار.

هذه التجربة المعيارية لمفهوم ما بعد الدولة، لا تحتمل مشاركة الفلسطينيين بشكل جماعي منظم (سلطة/منظمة تحرير/شرطة) فمثل هذه المشاركة تخرج التجربة من سياقها، المطلوب مشاركة فردية فلسطينية لأشخاص محسوبين على الكمبرادور المرتبط بالمصالح الرأسمالية.

عربيا: تدرك الدول العربية المعنية، خاصة الأردن ومصر والسعودية، أن نجاح أي من المشروعين؛ “الإسرائيلي” أو الأمريكي، يحمل تهديداً حقيقياً لبنى دولها، ولوجود أنظمتها.

تعتقد “إسرائيل” أن الفرصة لم تكن، عبر تأريخها، مواتية كما هي اليوم لتحقيق مشروعها، الذي يعتمد نجاحه على تهجير جزء مهم من سكان الضفة الغربية إلى الأردن، وجزءا من سكان غزّة إلى مصر وجنوب الأردن وشمال السعودية. هؤلاء المهجرين لن يسمح لهم بصناعة قضية لاجئين جديدة، فالمطلوب تحويلهم إلى مواطنين بحقوق سياسية مكتملة، مما قد يتطلب تغييراً جذرياً في شكل الأنظمة نفسها.

أما نجاح المشروع الأمريكي، فيعني تعميمه على المنطقة ليحل محل السلام الإبراهيمي، إدارة دولية يشارك فيها عرب وإسرائيليون، أموال النفط، عمالة رخيصة، وقوة قادرة على الردع يمثلها الجيش الاسرائيلي، ويفرض على جميع الدول الانخراط في المشروع، أي السلام عن طريق الدمج.

هذا السيناريو يشرح التصميم الأمريكي على المفاوضات المباشرة بين “إسرائيل” ولبنان، والاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من الأراضي السورية، وقبل كل شيء إعطاء “إسرائيل” الفرصة الكاملة لارتكاب مجزرتها في غزّة.

ماذا عن الفلسطينيين؟

في جميع السيناريوهات السابقة، لا يوجد مكان للفلسطينيين إلا كضحايا، لا أفق لحل الدولتين، ولا الدولة الواحدة، ولا أمل بقرارات دولية أو دعم عربي.

الفلسطينيون أمام خيارين، المقاومة حتى النهاية، أو الاستسلام لرحلة جديدة من التشريد وفقدان المزيد من الأرض والحقوق، بين هذين الخيارين، نكاد نسمع صوت سيد شهداء الأمة يقول “كلفة المقاومة أقل من كلفة الاستسلام”. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى