اراء

عن “قمة” ارتسم سقفها الخفيض قبل التئامها

بقلم: عريب الرنتاوي..
لم يُصدم الرأي العامّ العربي بالنتائج الهزيلة التي تمخّضت عنها قمة قادتهم الطارئة في الدولة، والتي جمعتهم إلى جانب قادة 35 دولة إسلامية، تقاطروا إلى العاصمة القطرية، في طقوس احتفالية، لطالما أصابت المواطنين والمواطنات، بالسأم والضجر… وأحسب أنّ غالبية عظمى من أبناء الأمّتين، العربية والإسلامية، لم تكلّف خاطرها عناء “التسمّر” أمام الشاشات، لمتابعة الخطابات “العرمرمية” التي لا تُسمِنُهم من جوع ولا تأمنهم من خوف.
سقف القمة، ارتسم مسبقاً مع صدور البيان عن مجلس الأمن، “قمة” البلاغة غير المسبوقة، في لغة الخطاب والتصريحات والميكروفونات، و”قاع” يلامس ضفاف الحضيض، في الإجراءات والقرارات والخطوات الملموسة… ولم تكن خشيتنا التي عبّرنا عنها قبل التئام القمة، في غير محلّها أبداً… خشينا أن يستعيض القادة بمفردات نارية، مُستلّة من غير قاموسهم المألوف، بالقرارات العقابية والإجراءات الزاجرة والرادعة لوحش انفلت من كلّ عقال، وبات يضرب يُمنة ويُسرة، لا يترك أحداً من شروره، بمن في ذلك، من احتسبوا تاريخياً على “الاعتدال العربي”، وتمتّعوا بالعضوية الدائمة في “نادي أصدقاء الولايات المتحدة”.
في التفاصيل، حقّقت قطر ما أرادت من دعوتها للقمّة الطارئة، إذ تحوّل الجمع، إلى احتفاء مُستحقّ بالدولة المؤسسة لمجلس التعاون الخليجي، والعضو الناشط في جامعة الدول العربية، والوسيط الأشهر دولياً في فضّ النزاعات وحل الأزمات… لم ينطوِ الأمر على أيّ قدرٍ من المفاجأة… فالقادة الذين يمّموا وجوههم شطر الدوحة، سبق لتصريحاتهم وبيانات وزراء خارجيتهم، أن سبقتهم… لقد خلت معظمها من ذكر حماس وقيادتها، المستهدف الرئيس، حتى لا نقول الوحيد، بالعدوان الغادر، لم يظهروا أيّ قدرٍ من التضامن والمواساة، حتى أنّ المراقب، بات يظن أنّ قطر وحدها هي المستهدفة، وأنّ أعيانها المدنيّة وحدها كانت في بؤرة المهداف، وأنّ قادة حماس وفريقها المفاوض، إنما كانوا عابري سبيل، صدف وجودهم هناك، في المكان والتوقيت الخاطئين.
لقد باتوا خبراء في “فعل اللا-شيء”، ولو أنّ الشكّ ساورهم للحظة، بأنّ الدوحة ستدعوهم، لاتخاذ قرارات عملية مؤلمة لـ”إسرائيل”، ومُنذرة للولايات المتحدة، لما جاءوا أصلاً… معظمهم حرص على القول إننا سندعم الدوحة في كلّ ما تتخذه من إجراءات، والدوحة ليست بوارد “التأزيم” مع واشنطن، وهي عبّرت عن الرضا التامّ براهن ومستقبل العلاقة مع واشنطن، وهي تفضّل إبرام “اتفاق دفاعي معزّز” معها، و”تكتيكها” السياسي في إدارة أزمة العدوان، يقوم على إلقاء اللائمة على “إسرائيل” وحدها، وتبرئة الولايات المتحدة.. هذا بيان مريح للقادة والزعماء، الذين يعلمون بقاعدة “لا ملجأ من واشنطن ولا منجاة من غضبها إلا باللجوء إليها”، وفيها الخصام، وهي الخصم والحكم.
مفارقات على هامش القمة
في التوجيهات، أو بالأحرى، التمنيات التي خرجت بها القمة، ثمّة دعوة للدول الأعضاء، بمراجعة علاقاتها التجارية والدبلوماسية مع “إسرائيل”… تُرك الأمر لكلّ دولة، لتقرّر ما إن كانت ستجري مثل هذه المراجعات أم لا، وترسيم حدود المراجعة المطلوبة… في ظنّي أنّ “توجّهاً” كهذا، جاء ليرفع الحرج عن “نصف دزينة” من الدول العربية، المنخرطة مع “إسرائيل” في مسارات تطبيعية و”إبراهيمية”… قادة هذه الدول، إن قرّرواً المراجعة، فإنّ بلدانهم، كفيلة بأن تكون “قاطرة” التغيير في العالمين العربي والإسلامي… التذرّع بصعوبة الوصول إلى قرار يحظى بإجماع 57 دولة، كان “طوق النجاة” لهذه المجموعة المؤثّرة من الدول العربية الوازنة.. لقد نجحوا في تمييع مسؤولياتهم، ووزّعوا دمها على القبائل العربية والإسلامية.. كان يمكن أن نصدّقهم، لو أنّهم أحيوا “مكاتب” المقاطعة العربية لـ”إسرائيل” ولداعميها، ولو أنهم أصدروا توجيهاً بإطلاق سراح حملات مقاومة التطبيع في بلدانهم، وتعهّدوا بالكفّ عن ملاحقة ومطاردة نشطائها، لكنهم لم يفعلوا، والأرجح أنهم لن يفعلوا.
تكتيك “النعامة”
لا يمكن تصديق الرواية القائلة، بأنّ القادة العرب، لم يستوعبوا بعد “حكمة” راحلهم حسني مبارك، القائلة بأنّ “المتغطّي بأميركا عريان”… كلّ واحدٍ منهم، يدرك أنّ العدوان على قطر، جاء بعلم واشنطن وضوء أخضر من سيد البيت الأبيض… كلّ واحدٍ منهم، يعرف يقيناً، أنّ لواشنطن حليفاً استراتيجياً وحيداً في هذا الإقليم: “إسرائيل”… كلّ واحد منهم، بات يتحسّس رأسه، فليس ثمّة من مأمن من ذراع “إسرائيل” الطويلة، ومن منهم لا يأتي بـ”أقصى الضغوط” الأميركية، سيأتي بــ”الهراوة الإسرائيلية” التي تجيد واشنطن استخدامها في الزمان والمكان المناسبين… لكن من المؤسف، هم يتصرّفون كالنعامة التي تدفن رأسها في الرمال، ولا يتصّرفون بوحي من إدراكاتهم المتأخّرة، إذ يبدو أنّ زمن اتخاذ القرارات النابعة من صميم الإرادة الحرّة والمصلحة العليا، قد ولّى وانقضى.

يظهرون قدراً من “العتب”، وأحياناً “التمنّع”، علّهم بذلك يستدرّون انتباهاً أميركياً لما هم فيه وعليه، من إكراهات وإحراجات… لكنّ خيوطهم ما زالت “مربوطة بالكفّ الأميركية”، مع أنّ العالم من حولهم، يتغيّر ويتحوّل، وثمّة على سطح البسيطة، أقطاب دولية ناشئة، وتوازنات قوى مرشّحة للصمود أمام جنوح الهيمنة الأميركية و”البلطجة” الإسرائيلية… تشتعل النيران في عباءاتهم وغرف نومهم، ولا يجدون غير “الإطفائي” الأميركي لاستدعائه للنجدة والإنقاذ.
وأحسب أنه أمر كارثيّ، ألّا يلتفت القادة العرب، سيما في العواصم المعنية أكثر من غيرها، بأنّ الفجوة تتسع بينهم وبين شعوبهم، التي تستشعر المهانة والإذلال و”قيلة الحلية”… وأن يبيتوا مطمئنين إلى حالة الاستكانة والموات التي تلف شعوبهم وتخيّم على مجتمعاتهم… إن فعلوا ذلك، فهم لم يتعلّموا درساً واحداً من دروس التاريخ، القديم والجديد، وإنّ غداً لناظره قريب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى