خذلان رسمي وشعبي عربي مقابل انتفاضة عالمية

بقلم: د. معن علي المقابلة..
منذ السابع من أكتوبر 2023، دخلت القضية الفلسطينية مرحلة جديدة من الصراع، أعادت تموضعها على الأجندة الدولية وأظهرت من جديد طبيعة المواجهة بين مشروع الاحتلال والمقاومة.
الاستراتيجية التي تبناها الكيان الصهيوني، ووقفت خلفها الولايات المتحدة، تقوم على تحقيق هدفين رئيسين: هزيمة حركة حماس ومنعها من العودة إلى حكم غزة، واستعادة الأسرى.
لكن وبعد قرابة عامين من العدوان الوحشي، لم يتمكن الاحتلال من بلوغ هذه الأهداف، وهو ما يضعه في مأزق استراتيجي؛ فالجيوش التي تفشل في حسم معركة أمام حركات مقاومة تُعتبر مهزومة، وصمود هذه الحركات يُعد بحد ذاته نصرًا.
النهج الذي اختاره الاحتلال، وباركته واشنطن، هو الضغط غير المباشر على المقاومة عبر استهداف الحاضنة الشعبية. التدمير الواسع للأبراج والمنازل في غزة، ومحاولة دفع السكان للنزوح، كلها أدوات تهدف إلى خلق حالة من السخط الشعبي على المقاومة.
ترافق ذلك مساعٍ لتجفيف التعاطف الشعبي العربي، حيث باتت العواصم الكبرى مثل عمّان والقاهرة وبيروت ودمشق تخلو من التظاهرات والمسيرات التي كانت تعكس تضامن الشارع مع فلسطين، نتيجة قرارات رسمية بمنعها. الهدف الواضح: عزل المقاومة وإشعارها بأنها وحدها في الميدان.
ورغم هذا الخذلان الشعبي العربي والإسلامي، إلا أنّ الشعوب الأوروبية لا تزال تملأ الشوارع دعمًا لوقف الإبادة الجماعية والتجويع، وتتحرك الأساطيل الشعبية والإنسانية في مساعٍ لكسر الحصار عن غزة، في مشهد يؤكد أن الوعي الإنساني العالمي لم يُخمد بعد، وأن الرواية الفلسطينية تجد صداها في الضمير الغربي أكثر مما تفعل في المحيط العربي الرسمي. في المقابل، تبدو المقاومة الفلسطينية واضحة في خياراتها.
فمنذ انطلاق عملية السابع من أكتوبر، كانت تدرك أن رد فعل الاحتلال سيكون عنيفًا ودمويًا. ومع ذلك، فإن التراجع اليوم يعني ـمن وجهة نظرهاـ انتحارًا سياسيًا وتفريطًا بالمنجزات التي تحققت. فهذه العملية، على الرغم من التضحيات الهائلة، أعادت القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام الدولي، وأظهرت عزلة الكيان على الساحة العالمية، وكشفت عمق الانقسام داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه.
الأهم أن هذه الجولة، مهما طالت أو قصرت، ليست سوى فصل من فصول مسيرة مقاومة ممتدة يخوضها الشعب الفلسطيني منذ أكثر من سبعة عقود.
جولة قد لا تحسم المعركة النهائية، لكنها ترسخ معادلة جديدة: أن الحرية لا تُوهَب بل تُنتزع، وأن المقاومة ـ رغم محاولات عزلها ـ ما زالت حاضرة وفاعلة، ولن تتوقف حتى ينال الشعب الفلسطيني حقه في الحرية والاستقلال.



