اراء

نتنياهو والعرب.. وأفلام العداوة المحروقة

بقلم: د. كمال ميرزا..

من أبجديّات الدعاية الإعلاميّة التي يدرسّها أي طالب في أقسام الصحافة والإعلام والاتصال الجماهيريّ، إذا أردتَ التعمية على موضوع معيّن، أو إبقاءه في الظلّ، أو التخفيف من هوله وفداحته، أو تمريره بالحدّ الأدنى من الانتباه والاهتمام والتركيز.. كلّ المطلوب منك ببساطة أن تفتعل ضجةً ما، أو تختلق أزمةً، أو تفجّر فضيحةً يلتهي بها الناس وتجعلهم يشيحون بأبصارهم في الاتجاه الآخر.

في ضوء ألف باء الدعاية الإعلاميّة هذه، نستطيع قراءة تصريحات “نتنياهو” الأخيرة بخصوص “إسرائيل الكبرى”، بالأخص في شقّها الذي يمسّ الأردن.. ونستطيع أيضاً قراءة التصريحات الصهيونيّة العدائيّة ضدّ مصر والجيش المصريّ.

قد يكون “نتنياهو” مجرم حرب، وقد يكون كلباً مسعوراً في مهمّة، وقد يكون شخصّاً مغروراً متعجرفاً يتحدّث ويتصرّف بعنجهيّة مقيتة، وقد يكون شخصيّةً نرجسيّةً أو سايكوباثيّةً أو شيزوفرينيّةً أو مزيجاً مسخيّاً من هذه مجتمعةً.. ولكنّه قطعاً ليس غبيّاً.

لماذا الآن تحديداً يختار “نتنياهو” أن يستعدي “أصدقاءه” العرب، وبالأخص الأردن ومصر، الدولتين الأكثر حساسيّةً بالنسبة للكيان الصهيونيّ في هذه المرحلة من الصراع؟!.

فالأردن ومصر تباعاً هما خطّا المواجهة الأطول مع الكيان الصهيونيّ، وهما المتنفّسان البريّان الوحيدان للكيان اللذان يمكن أن يكونا “صمام أمان” أو “مقتل” في آن واحد.

والأردن بوجه خاص هو بحكم واقع الحال والجغرافيا السياسيّة بمثابة “منطقة عازلة” و”عمق إستراتيجيّ” للكيان إزاء أي هجوم أو “تهديد” قادم أو محتمل من الشرق..

فلماذا يستعدي “نتنياهو” الأردن ومصر؟ ولماذا يتحرّش بنظامين يُفترض أنّهما “صديقان” و”شريكان إستراتيجيّان” في “السلام” المزعوم؟ ولماذا يضع قادة ومسؤولي هذين البلدين اللذين طالما أظهرا الودّ وحسن الجوار و”الاعتدال” في موقف الحَرَج أمام “الجماهير”؟.

فعليّاً “نتنياهو” لا يريد أن يستعدي أو يحرج أحداً هنا (باستثناء الشعوب التي تكرهه وتمقته أساساً)، وكلّ ما هنالك أنّه يريد كما تقتضي أصول السرسرة السياسيّة، أن يستثير لغطاً، ويخلط الأوراق، ويُلقي للإعلام والناس، عظمةً يلتهون بها من أجل صرف وتشتيت الانتباه عن جرائمه التي باتت تُمارس بشكل سافر وصريح، وعلى عينك يا تاجر، وفي مقدمتها سلاح التجويع.. وكذلك خطة عصابة حربه المزمعة لتسوية مدينة غزّة (المُحتلّة أساساً) بالتراب بشكل كامل كفصل نهائيّ ضمن مخطّط الإبادة والتهجير الممنهج الذي لم يتوقف للحظة منذ نحو (700) يوم متواصلة.

وطبعاً، نجاح سرسرات “نتنياهو” هذه رهن بمدى التقاطنا للطعم، وتفاعلنا مع تصريحاته، ودخولنا في “المعمعة” التي يريدنا أن ندخل فيها وإضاعة صيحاتنا وجعجعاتنا وسطها.

وفي المقابل، ورغم نبرة الغضب الظاهريّة، والعنتريّات الخطابيّة، تكاد تشعر أنّ مسؤولي الدول العربيّة والإسلاميّة المعنيّة وإعلامها الرسميّ وأقلامها المأجورة و”مسحّجيها” و”مطبليها” قد تلقّفوا تصريحات “نتنياهو” بسعادة غامرة، ولولا العيب لربما كانوا شكروه على الملأ وقبّلوه بين عينيه على هذه الخدمة الجليلة التي أزجاها لهم.

فتصريحات “نتنياهو” قد منحت هؤلاء مادة دسمة لكي يصنعوا من “الحبّة كبّة”، وليصنعوا منها “هليلة”، وليصنعوا منها “معركة” لا يعلو على صوتها أي صوت آخر، ولا حتى صوت “طوفان الأقصى”، أو صوت الإبادة والتجويع التهجير، أو صوت التنصّل العربيّ والإسلاميّ وخذلانه لأهل غزّة.

فأولويّة كل نظام قد باتت مع تصريحات “نتنياهو” الذود عن نفسه وكيانه وبلده، وكلّ مَن يصرّ على طرح أولويّات أخرى حتى لو كانت نُصرة أهل غزّة والذود عنهم، أو يصرّ على إقحام هذه الأولويّات “الأخرى” في الخطاب العام وإشراكها إلى جانب “الأولويّات الوطنيّة” الخالصة.. فإنّه يضع نفسه في خانة الاتهام والتشكيك والطعن في ولائه وانتمائه والتفريط بالمصلحة الوطنيّة واغتيال شخصيّته في إطار من التخوين والمزاودة.

بصدق، بخلاف التصريحات الرنّانة والخطب الناريّة وعنجهيّة “ألا فلا يجهلنّ أحد علينا…” (وطبعاً الشجب والندب والإدانة ومناشدة أمريكا والمجتمع الدوليّ والشرعيّة الدوليّة)، ما هي الخطوات العمليّة التي اتخذتها الدول العربيّة والإسلاميّة المعنيّة للوقوف في وجه تصريحات “نتنياهو” العدوانيّة؟!.

وهنا يكيفنا للإجابة عن مثل هذا السؤال تذكير أنفسنا بأنّ الذي يستشعر عداوةً حقيقيةً من الكيان الصهيونيّ وتجاهه، ويأخذ تهديداته على محمل الجد، ويعتبر أنّه مصدر خطر وجوديّ حقيقيّ.. لا يحتفظ بعلاقاته ومعاهداته واتفاقيّاته قائمةً وساريةً مع هذا الكيان كما هي وكأنّ شيئاً لم يكن.

والذي يستشعر عداوةً حقيقيّةً من الكيان الصهيونيّ وتجاهه لا يحتفظ بتبادله التجاريّ وتمثيله السياسيّ وتنسيقه الأمنيّ و”تطبيعه” مع هذا الكيان.

والذي يستشعر عداوةً حقيقيّةً من الكيان الصهيونيّ وتجاهه لا يربط ماءه وكهرباءه وغازه واقتصاده ومعاشه مع هذا الكيان.

والذي يستشعر عداوةً حقيقيّةً من الكيان الصهيونيّ وتجاهه لا يبرم معه صفقات ولا يدخل معه في مشاريع بمليارات الدولارات تمتد لعشرات السنوات.

والذي يستشعر عداوةً حقيقيّةً من الكيان الصهيونيّ وتجاهه لا يستمر بمنح أراضيه قواعد لقوّات أمريكيّة وغربيّة هي عند “الحزّة واللزّة”، وإذا “صار وما صار”، وإذا “وقعت الفأس بالرأس”.. ستقف إلى جانب الكيان وتنحاز إلى صفّه،

والذي يستشعر عداوةً حقيقيّةً من الكيان الصهيونيّ وتجاهه، لا يختلّق أزمات مع مكوّنات بلده وأطيافه السياسيّة والاجتماعيّة مُضعفاً جبهته الداخليّة، ولا يُضيّق على أنصار المقاومة ومنتقدي ومهاجمي الكيان ويلاحقهم ويسجنهم.

باختصار، بدلاً من التعامل مع تصريحات “نتنياهو” كـ”جنازة” نشبع فيها لطماً، و”ذريعةً وطنيّةً” لتكميم الأفواه.. يمكن للأنظمة العربيّة والإسلاميّة في حال كانت صادقة في مواقفها استغلال هذه التصريحات من أجل قلب الطاولة على العدو (قبل أن يفوت الأوان وتضيع الفرصة مرّةً أخرى)، وخلق أمر واقع جديد، وإعادة إحياء مبادئ “التضامن العربيّ” و”الأمن العربيّ” و”الدفاع العربيّ المشترك” عبر بوابة “المقاومة” ووحدة المصير.

والأنظمة العربيّة، سواء من خلال غبائها الزائد عن اللزوم، أو دهائها وحنكتها الزائدة عن اللزوم، لطالما كانت من حيث تدري ولا تدري من أهم أدوات خدمة وترجمة وتنفيذ هذه المخطّطات، خاصة تلك الأنظمة “الأخسر أعمالاً” التي تلعب على وتر القُطريّات والجهويّات والعنصريّات، وتستجير بالغريب وتعقد معه الأحلاف وتلتمس لديه ومنه “الشرعيّة” والأمان.. وهي تظنّ نفسها تُحسِن صُنعاً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى