اراء

السويداء على مفترق التجربة.. إدارة محلية أم نواة للحل؟

بقلم: ربى الحجلي..

في لحظة فراغ لم يكن اختياراً، بل قدراً فرضته سنوات من التهميش والتجاهل، قررت السويداء، أن لا تنتظر مزيدًا من الانحدار، فأمام التردي الخدمي، والتفكك الأمني، وتراجع الثقة بمؤسسات الدولة، خرجت من رحم الإرادة الشعبية لجنة قانونية عليا، لتشكل ما يشبه اجماعًا محليًا على ضرورة ملء هذا الفراغ بما يحفظ الحد الأدنى من الكرامة والإدارة والنظام.

بين هشاشة الدولة وخوف الناس، تنبض السويداء اليوم بمحاولة خجولة لكنها جادة لصناعة إدارة تحفظ ما تبقى من تماسك اجتماعي وأمني.

ما جرى مؤخرًا ليس خطوة رمزية، بل منعطفاً يعكس حجم التحدي والاستجابة الشعبية له.

لقد نجح أبناء السويداء، رغم كل الفوضى والخذلان، في خلق بنية تنظيمية تُعيد للدولة شكلها المأمول، لا المفروض.. تجربة لم تأتِ تحت شعارات براقة، بل انطلقت من سؤال: كيف نحمي أنفسنا حين لا يحمي أحدٌ أحدًا؟.

في سوريا المنهكة.. قررت السويداء أن لا تنهار

بحسب تقرير صدر مؤخرًا عن المرصد السوري لحقوق الإنسان، فقد تم توثيق مقتل 9889 شخصًا في سوريا خلال ثمانية أشهر فقط، أي منذ 8 كانون الأول 2024 وحتى 6 آب 2025، من بين هؤلاء، 7449 مدنيًا، منهم 396 طفلًا و541 امرأة.

هذا الرقم لا يعكس فقط عنف الحرب، بل يُجسد عمق الفوضى وغياب الرقابة والمحاسبة، إذ يشير التقرير بوضوح إلى أن “الجناة يُحمَون، والحقائق تُزيَّف”، في مشهد سوري لم يعد يحتمل المزيد من الإنكار.

في ظل هذه الفوضى، تصبح السويداء استثناءً لا لأنها خارج السياق، بل لأنها قررت أن تُقاوم الانهيار بأدوات مدنية، وبلغة القانون.

التجربة التي بدأت بتشكيل لجنة قانونية تضم قضاة ومحامين، وتُوِّجت بتعيين مكتب تنفيذي وقائد للأمن الداخلي، تحمل في جوهرها محاولة حقيقية لاستعادة الحد الأدنى من النظام، دون انتظار الحلول المركزية التي لم تأتِ.

وحين تكون الإدارة ضرورة.. لا خيارًا، فإن هذه الخطوة لا تمثل مشروعًا للانفصال، بل صيغة اضطرارية لإدارة الحياة اليومية.

اللافت فيها أنها اتكأت على المرجعية الروحية بما تمثله من حضور اجتماعي، لكنها حاولت أن تُخرج العمل من الإطار الديني إلى المؤسساتي.

هذا الخلط، وإن فُرض بفعل الفراغ، يُعيد التذكير بأن الغياب الرسمي لا يملأه إلا العقل الجمعي، لا الرمزيات فقط.

لكن، في غياب ضوابط قانونية عليا أو رقابة وطنية شاملة، تظلّ المخاوف مشروعة: هل هذه التجربة محكومة بالنجاح؟ هل يتم توظيفها سياسيًا؟ هل تغدو الشرعية نابعة من الولاء الاجتماعي لا من منظومة حقوق ومساءلة؟.

رغم التحديات، لا يمكن تجاهل ما تحقق: من تنظيم خدمي قائم على الخبرة لا الانتماء، وقيادة أمنية تحاول أن تضبط الداخل لا أن تسيطر عليه، وحالة مدنية سلمية لم تنزلق نحو الصِدام، رغم كل محاولات التخريب.

هذه الإيجابيات، رغم هشاشتها، يمكن البناء عليها إذا ما أُتيحت لها فرص الدعم، والحوار، والانفتاح على الدولة بدل الصِدام معها.

والسؤال: هل تتكرر التجربة؟ أم تُحاصَر؟

في بلد تتراكم فيه الخسائر، لا بدّ أن تُطرح تجارب الإدارة المحلية كحلول مؤقتة، لا كبدائل دائمة.

لكن تكرار نموذج السويداء في مناطق أخرى يتطلب: بيئة اجتماعية ناضجة، وقيادة محلية مسؤولة، وحيّز من الحرية بعيدًا عن المركزية المطلقة.

السويداء لا تُقدّم نفسها كنموذج، لكنها تطرح سؤالًا صامتًا: لماذا لا يُسمح للناس بأن يُديروا شؤونهم بأنفسهم عندما تفشل الدولة في إدارتهم؟

ما تعيشه السويداء اليوم ليس حالة تمرد، بل محاولة للنجاة بكرامة، يراودني سيل من الأسئلة في هذه اللحظة: هل تكون السويداء بداية مختلفة؟ هل تُفهم قبل أن تُحاصر؟ هل يُسمح للمجتمعات أن تنجو بنفسها؟

هل تكرر السويداء نفسها في سوريا القادمة؟ وعندما تبادر المجتمعات، هل تبدو كمرآة للفراغ نتيجة غياب مفهوم أبوة الدولة؟.

وبين مشهدٍ وطني تتساقط فيه الضمانات، تبقى هذه التجربة فرصة لإعادة التفكير بعقد اجتماعي جديد، يُعيد للدولة معناها من خلال الناس، لا رغمًا عنهم.

هذه التجارب، على أهميتها، تبقى محطات مؤقتة في انتظار لحظة وطنية أوسع، تعود فيها الدولة إلى أبنائها بقوتها وعدالتها ومؤسساتها، فتوحد تحت مظلتها الجميع دون تمييز أو تهميش.

وحين تستعيد الدولة عناصر قوتها الحقيقية من المساءلة إلى القانون والخدمات والسيادة فسيكون من الطبيعي أن تندمج هذه التجارب مجددًا في جسد الوطن، لا أن تبقى خارجه.. فهل تُمنح السويداء الفرصة لتصوغ تجربتها؟ أم تُحاصَر قبل أن تُفهم؟.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى