إذلال الرياضي “صورة وصوت”

رعد العراقي..
في لحظة من الضعف والمرض والحاجة، تجد رياضيًا قدّم أجمل سنوات عمره للرياضة والوطن، يُساق أمام الكاميرا ويردد عبارات الشكر والثناء لمسؤول تبرّع له بمساعدة مالية، وكأن الكرامة تُشترى، وكأن الوجع الإنساني أصبح وسيلة لتلميع الصورة وتعظيم الذات.
ما نشهده اليوم من توظيف الحالات المرضية أو الإنسانية للرياضيين والرواد والمعوزين، كمادة ترويجية ودعائية، هو سلوك لا يمتّ بصلة للفروسية والإنسانية، بل هو مشهد مُهين، يتكرر بمباركة صامتة من الجميع، حتى أصبح وكأنه عُرف مقبول، في حين أنه يُمثل قمة الإذلال لمن خدموا الرياضة بإخلاص.
من يريد أن يساعد، عليه أن يفعلها بصمت، لا حاجة للتوثيق، ولا داعي للمديح، المال إن لم يكن مقرونًا بالرحمة والاحترام، يصبح أداة إذلال، والكرم إن لم يُمنح برقيّ وإنسانية، لا يعود كرمًا، بل منّة مشروطة، لماذا يُجبر المحتاج على الوقوف أمام الكاميرا ليشكر، ومن قال، إن الشكر يجب أن يُقال علنًا، أو يُوثق بصوت وصورة؟.
القيادة الحقيقية لا تظهر في الصور والفيديوهات، بل في الأثر الذي تتركه في نفوس الناس، والإنجاز لا يُقاس بعدد حالات التكريم أو عدد الشهادات التي توزّع، بل بمشاريع تطويرية، وبنية تحتية، وخطط حديثة تنهض باللعبة. لكننا، وللأسف، صرنا نرى قوائم طويلة من “المنجزات” تتضمن فقط مبالغ أنفقت على تكريم لاعبين أو دعم حالات إنسانية، في حين تغيب الخطط والنتائج.
والأدهى من ذلك، أن هناك من الرياضيين من أصبح يستبق أي جهد رياضي، حتى ولو كان مجرد مشاركة في بطولة غير معترف بها، بالمطالبة العلنية بالتكريم، وكأننا أمام لعبة تبادل مصالح، لا رياضة حقيقية، ثم تأتي الاستجابة من المسؤول، ويُكرم اللاعب أمام عدسات الكاميرا، ويُسوق ذلك كإنجاز سياسي وشخصي.
أليست هذه مهزلة؟ ألا ينبغي أن تكون المساعدة فعلًا إنسانيًا، تقدم من دون طلب، ويُمنح من دون دعاية؟ الأجدر أن يُخفيه صاحبه، ويحفظ به ماء وجه المتلقي، لا أن يُستغلّ لمجرد بناء شعبية أو كسب أصوات.
نحن لا نعيب على أحد مساعدته، ولا نمنع فعل الخير، ولكننا نطالب بالارتقاء بالفعل الإنساني إلى مستواه النبيل، لا تجعلوا كرامة المحتاج مشهدًا للفرجة، ولا تحوّلوا العوز إلى وسيلة لكسب الجمهور، المساعدة يجب أن تُدسّ كما تُدسّ الصدقة الخالصة، لا أن تُنشر وكأنها وسام على صدر المعطي، ووصمة على جبين المحتاج.
إذا أردتم فعلاً أن تكرموا الرياضيين، فابنوا لهم نظامًا صحيًا يحفظ كرامتهم، ووفروا لهم ضمانًا اجتماعيًا حقيقيًا، وابحثوا عنهم قبل أن يناشدوكم، اجعلوا إنسانيتكم مرئية في أفعالكم لا في كاميراتكم، فليس الفخر في العطاء العلني، بل في العطاء الخفي، الذي لا يُهين، ولا يُذل، ولا يُستخدم كدعاية انتخابية.
نحن في زمن باتت فيه الإنسانية تُقاس بمقدار ما يُقال، لا بما يُفعل، فلنُعدّ الميزان إلى مكانه الصحيح، ولنحفظ للإنسان كرامته… خاصة إذا كان رياضيًا خدم بلاده يومًا، ثم ناداه المرض، فخذلته الدولة، قبل أن تجعله صورة في فيديو ترويجي.



