هل دخلت “إسرائيل” حالة التدريع الإسبرطي أم هو النزف الدماغي؟

بقلم: محمد جرادات..
خيط رفيع يفصل بين تحوّل المجتمع إلى درع عسكري، وبين تعرضه لنزيف صامت، كأنها نواة حبة التمر وما يفصل نواتها الصلبة عن مذاقها الرطب، خيط قد يكون ذلك العنكبوت الذي ينسج خيوطه ليقتات صغاره على الأم وهي حية، أو يكون كالغشاء الأمنيوسي وهو يشكّل وسادة تحمي الجنين في أدق لحظات الضعف والتشكل، وما بينهما يتخبط الثور الهائج في شدة بطشه ولكن في خطأ وجهته، أو كما قيل قديماً أن فلاناً أوتي من فرط ذكائه.
والنموذج الإسبرطي اليوناني الذي دعا له نتنياهو قبل شهور عديدة، يعني تحوّل كامل الشعب إلى ما يشبه التدرع الفلانكسي (PhalanxShielding) في سياق العصور الإغريقية القديمة، وهو أسلوب دفاعي هجومي جماعي يستخدم فيه الجنود تروسهم الدائرية الكبيرة لتشكيل جدار متماسك يغطي أجسامهم والجنود المجاورين لهم، وهو يعتمد على الانضباط والترابط الوثيق لصد الهجمات الأمامية، ويمكنه عبر تداخل التروس أن يحمي كل جندي الجانب الأيمن لنفسه والجانب الأيسر لجاره، ما يخلق حماية جماعية، من خلال جدار دفاعي لا يمكن اختراقه تقريباً من الأمام، ما يوفر حماية فائقة ضد السهام والحراب، في ظل قدرة هجومية تنطلق من خلف هذا الجدار، بحيث يستخدم الجنود رماحهم للهجوم، بما يمنحهم ميزة كبيرة في المعارك المباشرة، وكان هذا التكتيك العمود الفقري للجيوش الإغريقية وساهم في انتصارات تأريخية، خاصة في معارك مثل ماراثون وتيرموبيلاي.
يبدو للوهلة الأولى، أن قيادة الكيان الإسرائيلي نجحت دراماتيكياً، في نقل المجتمع الإسرائيلي على مدى فترة الاهتزاز الداخلي العنيف منذ هجوم السابع من أكتوبر 2023، وأخرجته من شعور الصدمة عبر التوحش في غزة وفي ظل العزلة العالمية الشعبية، ليصبح وكأنه في مجموعه دبابة ميركافا يتنفس طاقمها في بطن الحديد والفولاذ، وهو مشهد معقول ومحتمل في تقييم النقلة التي يمر بها هذا الكيان وهو يخوض حروبه الدموية عبر جبهات محيطة وبعيدة.
في المقابل، يظهر هذا الكيان الإسرائيلي للأسبوع الثالث على التوالي، وهو في حالة انكماش حدّ الشلل الحياتي الداخلي، في ظل العدوان المتواصل على إيران ولبنان، فيما فرقه الطبية تنتشر صبح مساء في تتبع شظايا الصواريخ العنقودية الإيرانية، وهي تتساقط في مربع “غوش دان” النابض بالكثافة السكانية اليهودية في “تل أبيب” وما حولها، وغالبية الشعب في الملاجئ صعوداً وهبوطاً تبعاً لكبسة زر يخرج نبضها على امتداد 2000 كم من الصحراء الإيرانية.
وما بين التدرع والانكماش، ثمة منظار ليلي يجمع بين العتمة في حلكة الليل وبين القدرة على الإبصار، ولعله التشخيص الأدق لمشهدية هذا الكيان في واقعه الراهن المتحجر في كثافة تخثره الدموي ما يشبه نزيف الدماغ الصامت، ومبعث عتمته في ضيق خياراته كما في آتون دوره في الترسانة الأميركية الغربية.
ولأن الدماغ الإسرائيلي في هذه الحرب، مرتبط بعقل ترامب المتأرجح وإن كان الصديق الأوفى لـ”إسرائيل” في تأريخ أميركا، فإن ضيق الخيارات الإسرائيلية في ظل الانكماش الداخلي سواء كان تدرعاً إسبرطياً أو أزمة وجودية، بدأ يثقل كاهل هذا الدماغ ويطرق على باقي جسمه، وهو دماغ كيان لا يحتمل النزف أو الغياب عن الوعي لحظة، فحاله ليس كحال كل دول العالم حتى جزر القمر التي تحتمل بحكم شرعيتها شتى أنواع الكوارث، فيما أن الدماغ الإسرائيلي وهو يتعرض للطَرْق الإيراني- اللبناني المتواصل، حتى لو ثبت أنه يحتوي ذلك عبر التماسك الداخلي، فإن ديمومة الطرق تجعله عرضة للنزف والغيبوبة عن الوعي ولو في لحظة عابرة.
شارك الصحفيون الإسرائيليون بفاعلية في بداية الحرب وما يزالون في الترويج لضرورة الرقابة العسكرية، بل يشاركون في التحريض ضد المشاركات الفردية من الناس العاديين في تصوير بعض المقاطع التي تظهر القصف، وهو ما تكرر في حرب حزيران وقلّ في هذه الحرب نتيجة الاعتقالات والمتابعات وعمليات التحريض التي اعتبرت هكذا تصوير خدمة للعدو في ظل الحرب.
لوحظ أخيراً، أن بعض الصحفيين بدأوا يتساءلون، وكأن الثغرة في جدار التدريع الفولاذي الإسرائيلي بدأت تتفتح عبر نافذة المواجهة الداخلية مع الرقابة العسكرية، كما عبر المزايدات السياسية والحزبية، بعد أن أقسموا جميعاً في البداية على التضامن وتناسي الخلافات، وهي نافذة إن تحطمت فإن ثغرة التدريع قد تتسع، وصدرت أقوى هذه التساؤلات عبر القناة 13 العبرية، والتي شككت في سبب تصاعد الرقابة عبر الحروب المتلاحقة حتى وصلت حالياً لدرجة منع نشر عدد الصواريخ التي تقصفها إيران وتصل فضاء البلاد سواء سقطت أو اعترضت، وليس فقط منع أدنى حديث عن قصف المواقع الاستراتيجية والعسكرية، لتختم هذه القناة تشكيكها الصريح بتساؤل استنكاري حادّ: “ما الأكثر منطقية؛ هل هذا جزء من الجهد الحربي، أم هو جزء من الجهد السياسي لكي لا نعرف ثمن الحرب؟ وإلا كيف تفسرون حقيقة، أن هذه الحكومة ليست مستعدة حتى لنشر أهداف الحرب التي صوّت عليها الوزراء؟”.



