صلابة الأعصاب.. سر القوة في التجربة الإيرانية

بقلم: السيد شبل..
في عالم السياسة الدولية، لا تُختبر قوة الدول في لحظات الرخاء، بل في اللحظات الفارقة التي تستهدف عمودها الفقري وقادتها التأريخيين. لقد شهدت المنطقة تصعيداً غير مسبوق من خلال ضربات أميركية-إسرائيلية استهدفت العمق الإيراني، ووصلت ذروتها باستهداف قمة الهرم القيادي. ومع ذلك، قدّمت الدولة الإيرانية أنموذجاً في “الانضباط الاستراتيجي”، محولةً ما كان يُفترض أن يكون لحظة انهيار وفوضى إلى مشهد من مشاهد الثبات والتماسك المؤسسي.
هندسة الاستقرار… تجاوز الفراغ القيادي
الرهان الأميركي-الإسرائيلي كان يعتمد تأريخياً على نظرية “قطع الرأس”، معتقداً أن غياب المرشد الأعلى، السيد علي الخامنئي، سيؤدي حتماً إلى تآكل الشرعية ودخول البلاد في نفق مظلم من الصراعات على السلطة. لكن الواقع أثبت أن الدولة الإيرانية ليست “دولة الرجل الواحد” بالمعنى الهش، بل هي منظومة مؤسساتية مُعقّدة تمتلك بروتوكولات جاهزة وسيناريوهات معدة مسبقاً للتعامل مع أسوأ الاحتمالات.
بمجرد وقوع الحدث، تحرك “مجلس خبراء القيادة” و”مجمع تشخيص مصلحة النظام” وفق آلية دستورية صارمة وهادئة، فلم يشعر المواطن الإيراني أو المراقب الخارجي بوجود فجوة زمنية، إلى حين انتخاب السيد مجتبى الخامنئي مرشداً جديداً للبلاد. هذا الانتقال السلس لم يكن مجرد إجراء إداري، بل كان رسالة سياسية للداخل والخارج بأن “بنية الدولة” أقوى من الأشخاص، وأن الثوابت الاستراتيجية للنظام لا تتغير بتغير الوجوه.
الثبات الشعبي وإجهاض الرهانات الخارجية
بالتوازي مع التماسك السياسي، كان الرهان الآخر للقوى الغربية وإسرائيل” يرتكز على تحريك “الشارع”، حيث سعت القوى المعارضة المدعومة من الخارج، خاصة تلك المُقرّبة من دوائر صنع القرار في واشنطن و”تل أبيب”، إلى استغلال اللحظة ونادت بإشعال فتيل “تمرد فوضوي”، وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب ينتظر تلك الرسائل التي تطالبه بمزيد من العمل العسكري المباشر بزعم أن “النظام يترنح”، إلا أن المشهد الشعبي في الداخل جاء مخيباً لتلك التوقعات. فبدلاً من المتاريس والاحتجاجات، امتلأت الشوارع بملايين المشيعين الذين خرجوا لوداع قادتهم.
الردّ العسكري.. بين الردع والاحتواء
على الصعيد العسكري، لم تنجرّ إيران إلى ردّ انفعالي غير محسوب، بل اختارت ما يمكن وصفه بـ”الردّ الجراحي”، مع إبقاء مختلف الخيارات مفتوحة. فمنذ اللحظة الأولى، ردّت القوات المسلحة الإيرانية بقصف مكثف استهدف مواقع في “إسرائيل” وقواعد أميركية في المنطقة، غير أن طبيعة هذا الرد اتسمت بدرجة واضحة من الانتقائية والدقة، بحيث لم يظهر كعمل عشوائي في أية مرحلة من مراحل المواجهة. وبهذا النهج سعت طهران إلى تحقيق توازن دقيق بين الحفاظ على مصداقية الردع من جهة، وتجنب الانزلاق إلى حرب غير محسوبة قد لا تخدم مصالحها الاستراتيجية من جهة أخرى.
وكانت الرسالة التي حرصت طهران على إيصالها واضحة في مضمونها: “نحن لا نسعى لتوسيع الصراع، وأمن المنطقة مسؤولية جماعية، أما الوجود العسكري الأميركي، فهو المصدر الحقيقي لعدم الاستقرار، وندعوكم لعدم الانخراط في مقامرات واشنطن وتل أبيب”.
هذا الخطاب أسهم بشكل ملموس في زعزعة الرواية الأميركية التي دأبت على تقديم إيران كطرف مُهدد للاستقرار الإقليمي، وعليه بدأ يتشكل وعي جمعي مغاير يرى الأمور من زاوية مختلفة. وقد تجلى ذلك بوضوح في النقاشات الجارية داخل الأوساط العربية، وتحديداً في الدول التي تستضيف قواعد عسكرية غربية؛ إذ ظهرت أصوات تنادي بضرورة مراجعة جدوى هذا الوجود الأجنبي.
خفض التصعيد بشروط السيادة
لقد أظهرت طهران قدرات عسكرية لافتة، لكنها في الوقت ذاته تمسكت بمرونتها السياسية. فعلى الرغم من كل شيء، ظل الباب موارباً أمام مسارات تسمح للخصم بالتراجع وخفض التصعيد، فالخطاب الإيراني لم يكن متعصباً، بل كان خطاباً “دوليّاً” يؤكد احترام السيادة والقانون الدولي.
وضعت طهران معادلة واضحة أمام العالم كله، وخاصة الإدارة الأميركية: التهدئة مقابل احترام السيادة.
القوة الحقيقية.. صلابة النفس قبل صلابة السلاح
تكشف التجربة الإيرانية، أن قوة الدول لا تُقاس فقط بترسانتها العسكرية، بل بقدرتها على الصمود النفسي وإدارة الصراع بهدوء وثقة. فإيران، حتى في لحظة توتر إقليمي استثنائية، لم تعتمد خطاباً انفعالياً أو دعائياً صاخباً، وظهر ذلك في اللقاءات التي أجراها المسؤولون والمحللون السياسيون الإيرانيون، الذين حاولوا شرح الموقف الإيراني وتقديم مبرراته بصورة عقلانية، سواء في الإعلام المؤيد للمقاومة أو حتى في بعض المنصات الأقل تأييداً.
هذا الهدوء في الخطاب يعكس جانباً من الثقافة السياسية الإيرانية التي تشكلت عبر عقود من الصراع والعقوبات والضغوط الدولية. فالتجربة الطويلة مع الأزمات صنعت لدى النخبة السياسية والإعلامية نوعاً من الانضباط في إدارة الخطاب العام، والقدرة على الدفاع عن المواقف بالحجة أكثر من الانفعال.
لذلك، فإن التجربة الإيرانية نجحت في تقديم مثال على أن تماسك المجتمع والنخبة السياسية نفسياً وفكرياً قد يكون أحياناً عاملاً حاسماً في صمود الدول، ربما بقدر أهمية القوة العسكرية نفسها.



