السويداء نكسة للمشروع الأردوغاني في سوريا

بقلم: هدى رزق..
ما جرى في السويداء يتعارض مع حسابات تركيا السورية، ويهدد مصالحها بعد دخولها الواسع على الملف، ومحاولتها كسب أوراق دعمها لتسهيل المرحلة الانتقالية. التدخل الفعّال للوساطة الأمريكية والعربية والتركية حاول التصدي لظهور الحكومة السورية مهزومة أمام الضربات الخارجية الإسرائيلية، وداخلياً عبر الاقتتال بين المكونات الاجتماعية السياسية السورية حيث دخلت كعنصر مساعد للبدو بدل أن تكون عنصراً ضابطاً للأمن.
التنسيق التركي-العربي كان ملحّاً، بعد طرح أهلية الحكومة حاولت تركيا التأكيد على أن الرغبة العربية ما زالت موجودة في دعم السلطة السورية الجديدة بقيادة الشرع.
تشابكت الديناميكيات المحلية والإقليمية في سوريا في عملية معقدة، إذ كشفت الأحداث الأخيرة في السويداء، عن حدود السيطرة المركزية ومحاولات فرض السيادة في سياقات محلية هشة، حيث امتزجت المشكلات المحلية بالطائفية، وتعارضت السياسات الوطنية مع الطموحات الإقليمية.
طالما اشتعل في منطقة السويداء التنافس بين الدروز والبدو. لكن سرعان ما تصاعد الإشكال إلى عنف طائفي شاركت فيه القوات الحكومية التي يفترض بها استعادة النظام وتوفير الأمن.
العملية العسكرية التي خاضتها القوات الحكومية أدت إلى فشلها تكتيكياً وسياسياً، بعد اتهام القوات الحكومية بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان ضد المدنيين الدروز الى جانب البدو وانتهاز “إسرائيل” الفرصة لتنفيذ قرار اتُخذ في شباط الماضي يقضي بإبقاء جنوب سوريا منزوع السلاح، وقصف وزارة الدفاع السورية في دمشق ومنطقة قريبة من القصر الرئاسي هي رسالة إلى الشرع ومرجعيته التركية بأن عليه الانسحاب من السويداء، ومنذ ذلك الحين جرى وقف إطلاق النار.
لكنّ الصراع تحوّل مع القبائل البدوية على أطراف محافظة السويداء إلى تضامن من العشائر المحيطة، حوّل القتال بين البدو والدروز، وانتقل الصراع من كونه نزاعاً محلياً محدوداً نسبياً إلى صراع متعدد الأطراف بوجود القوات الحكومية، وامتد إلى أن أصبح إقليمياً بعد رغبة بعض الدروز على إثر الاغتيالات والخطف في طلب الحماية.
أما القيادة السورية، فحاولت تأكيد سلطتها وسيادتها من خلال استخدام القوة، أما “إسرائيل” فهي راغبة بتوسيع نطاق نفوذها في جنوب سوريا. وكانت النتيجة سفك دماء، وأزمة ثقة في القيادة السورية، وموازين قوة جديدة في جنوب سوريا.
ما حدث في السويداء شكّل أيضاً نكسة عميقة للمجتمع السوري. أصبح العنف محفزاً للاستقطاب الطائفي، ما يهدد بتقويض التعايش بين مختلف طوائفها وبين المواطنين والدولة الناشئة.
جرى تصوير الشرع في الإعلام الخليجي والتركي على أنه محرر ومنقذ سوريا وباحث عن تثبيت سلطة الدولة مقابل خيانة اتهم بها الزعيم الروحي الدرزي، الشيخ حكمت الهجري، وجرى تجاهل نفوذ “إسرائيل” في جنوب سوريا بعد عام 2013، وكيف أصبح ساحة اختبار لنماذج مختلفة من النفوذ الإقليمي ووجود تحالف من الفصائل المتمردة المدعومة من الولايات المتحدة وحلفائها العرب.
“إسرائيل” اليوم تسعى إلى إنشاء منطقة نفوذها الخاصة في الجنوب، مُستلهمة النموذج التركي في الشمال، مدعومة بأمن خارجي، تخدم جميعها المصالح الإسرائيلية دون سيطرة مباشرة. في هذه الحدود تغيب السيادة الواضحة، وتُستبدل بتفاهمات عائمة تُحقق أهدافاً خارجية.
تركيا تدخل كطرف خوفاً من التقسيم
طلبت وزارة الدفاع الوطني السورية دعماً عسكرياً من تركيا. ودعت قوات سوريا الديمقراطية إلى التخلي عن مطالبها بالحكم الذاتي والالتزام باتفاقية الاندماج التي أبرمتها مع إدارة أحمد الشرع.
في الوقت الذي هدد فيه وزير الخارجية التركي هاكان فيدان قوات سوريا الديمقراطية/ وحدات حماية الشعب من محاولة “خلق حكم ذاتي”، وكانت سوريا قد طلبت إثر الأحداث من تركيا تعزيز قدرتها الدفاعية حيث إن “إسرائيل” تقصف حين تشاء إلا أن تركيا تدعم تدريبياً لمحاربة جميع التنظيمات التي تعدّها “إرهابية” بعد أن كانت قد اقترحت مساعدة دمشق في حماية وإدارة مخيمات الهول والمخيمات المماثلة التي يحتجز فيها سجناء “داعش” وعائلاتهم، حيث تقوم قوات سوريا الديمقراطية/وحدات حماية الشعب بحمايتهم بتكليف من قبل الولايات المتحدة.
تريد تركيا سحب هذه الورقة من يد قوات سوريا الديمقراطية وإلقاء أسلحتها تنفيذاً لطلب زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان. يأتي طلب سوريا للحصول على دعم عسكري من تركيا في وقت جرى تفاهم بين تركيا والولايات المتحدة للحفاظ على وحدة سوريا. وكان توم باراك، السفير الأمريكي لدى تركيا والمبعوث الخاص إلى سوريا، قد صرح بأن “إسرائيل” تريد أن ترى “سوريا منقسمة”، لكن واشنطن تعتقد أن الأقليات ترى أن قوتها في وحدتها.
مسارعة تركيا إلى إنهاء ملف قوات سوريا الديمقراطية التي تعدها قوات انفصالية على الحدود السورية-التركية، تمثل شوكة في خاصرة الأمن القومي التركي وأمراً في غاية الأهمية بالنسبة إليها، لكن هناك حقيقة تمظهرت في أحداث السويداء وسمحت بالتدخل الإسرائيلي، وهي تصرف القوات الحكومية كميليشيا وليس كقوة فصل بين أبناء البلاد ما أسهم في تعميق الفجوة بين الدروز والدولة السورية.
يبقى أن الاستثمارات التي وقعت عليها السعودية مع الشرع وحكومته كانت تأكيداً على أن خيارها هو إعطاء فرصة للشرع من أجل تثبيت حكمه والقضاء على الفصائل المعارضة له والتي كانت تقاتل إلى جنبه.
يبدو المطلوب من الشرع الكثير، على الصعيد الأمني والعسكري والاقتصادي في حدوده وخارجها، لذلك تعدّ ورقته رابحة بالنسبة إلى داعميه ومهماته لم تكتمل لغاية اليوم.



