اراء

من انكسار الخطوط الحُمر إلى اختبار سقف الحرب.. ديمونة كنقطة تحول عسكرية

بقلم: د. هاني الروسان..

لم يعد ممكناً قراءة تطورات الحرب الجارية بين اسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى في أطار منطق الاشتباك المحدود أو الضربات المحسوبة التي تسعى إلى إعادة تثبيت قواعد الردع دون تجاوزها. فاستهداف منشأة بحجم وحساسية مفاعل ديمونة يشير إلى انتقال نوعي في طبيعة الأهداف، ومن ثم في طبيعة الحرب ذاتها، اذ وضعنا هذا الهجوم أمام لحظة تتجاوز “تبادل الرسائل العسكرية” إلى اختبار فعلي للحدود التي سيذهب اليها الصراع، ومعرفة ما إذا كان سيبقى مضبوطًا أم سينزلق إلى مستويات أكثر خطورة.

فعلى امتداد مراحل الصراع التي سبقت استهداف ديمونة، حافظت الأطراف على ما يمكن تسميته “اقتصاد الأهداف”، حيث جرى التركيز على مواقع عسكرية أو بنى تحتية قابلة للاحتواء، اي القيام بتوجيه ضربات مؤثرة دون ان تدفع الخصم إلى رد غير قابل للسيطرة عليه. وهذا النمط من الاشتباك لم يكن تعبيرًا عن عجز في الامكانيات، بقدر ما كان تعبيرا عن إدراك عميق بأن تجاوز خطوط معينة -خاصة تلك المرتبطة بالقدرات الاستراتيجية- قد يفتح الباب أمام ديناميات تصعيد لا يمكن ضبطها.

غير أن إدخال ديمونة اليوم -وان كان ثأريا- ضمن بنك الأهداف يمثل كسرًا لهذا المنطق، خاصة ان المسألة هنا لا تتعلق بمدى دقة الضربة أو حجم الأضرار الناجمة عنها، بل في طبيعة الهدف نفسه. فديمونة ليست موقعًا عسكريًا تقليديًا، بل هي إحدى الركائز الرمزية والوظيفية لمنظومة الردع الإسرائيلية. وبالتالي فإن استهدافها، حتى بشكل محدود، يحمل دلالات تتجاوز البعد التكتيكي لتصل إلى مستوى إعادة تعريف قواعد الاشتباك.

والحقيقة ان هذا التحول سيضع صانع القرار العسكري الاسرائيلي أمام معادلة شديدة التعقيد، فمن جهة، يصبح تجاهل الضربة أو الرد عليها بشكل محدود مخاطرة تهدد بتآكل صورة الردع الاسرائيلية، خاصة إذا ترسخ انطباع بأن المنشآت الأكثر حساسية لم تعد خارج نطاق الاستهداف. ومن جهة أخرى، فإن الرد الواسع على هدف بهذه الرمزية قد يطلق سلسلة من التفاعلات المتبادلة التي تدفع الصراع إلى مستويات غير مسبوقة، وهنا تتقلص مساحة المناورة، ويصبح كل خيار محمّلًا بكلفة استراتيجية مرتفعة.

وعليه وفي هذا الإطار، فانه يمكن رصد ثلاثة اتجاهات محتملة لمسار الحرب:

أولها، محاولة إعادة ضبط قواعد الاشتباك عبر رد محسوب يستهدف استعادة الردع دون توسيع نطاق الأهداف، وهذا السيناريو يفترض أن الضربة على ديمونة ستُعامل كاستثناء يجب احتواؤه، لا كنقطة بداية لمرحلة جديدة ونجاح هذا المسار يتوقف على قدرة الطرفين على إعادة فرض خطوط حُمر جديدة، وهو أمر يزداد صعوبة كلما جرى تجاوز الخطوط السابقة.

ثانيها، الانزلاق نحو تصعيد متدرج، بحيث يؤدي استهداف هدف استراتيجي إلى توسيع بنك الأهداف لدى الطرف الآخر، بما يشمل منشآت أكثر حساسية، وفي هذه الحالة، فان الأمور ستأخذ منحى تدريجياً ولا تقع القفزة الكبرى دفعة واحدة، بل عبر سلسلة من الردود المتبادلة التي ترفع تدريجيًا سقف المخاطر. وهذا النمط هو الأخطر من حيث كونه “تصعيدًا بطيئًا” قد لا تدرك خطورته إلا بعد فوات الأوان.

أما الاتجاه الثالث، فهو الانفجار الواسع، حيث يُنظر إلى استهداف ديمونة باعتباره تجاوزًا لا يمكن السكوت عنه، ما يدفع إلى رد فعل كبير قد يشمل العمق الاستراتيجي للخصم. وهذا السيناريو، رغم كلفته العالية، يظل مطروحًا إذا ما اعتُبر أن الردع قد تعرض لضربة جوهرية تستدعي إعادة ترميمه بشكل جذري.

وفي المحصلة فان ما يكشفه عنه هذا التطور، هو أن الحرب دخلت مرحلة لم يعد فيها التحكم في مستوى التصعيد مضمونًا كما في السابق، اذ انه كلما جرى استهداف عناصر أكثر حساسية، ستتقلص قدرة الأطراف على العودة إلى قواعد اشتباك مستقرة. ومع كل ضربة من هذا النوع، يصبح الصراع أقل قابلية للإدارة وأكثر عرضة للانفلات.

وبهذا المعنى، فان أهمية ديمونة لا تكمن فيما أصابها فعليًا، بل فيما كُسر حولها من محظورات، فحين تدخل منشأة بهذه الرمزية إلى معادلة الاستهداف، فإن الحرب لا تتقدم خطوة إضافية فحسب، بل تعيد رسم حدودها بالكامل. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا لم يعد من بدأ التصعيد، بل من يملك القدرة على إيقافه قبل أن يتحول من حرب يمكن التحكم بها إلى مواجهة مفتوحة بلا سقف واضح.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى