العمق الفكري والحضاري في خطاب حرس الثورة

بقلم: محمد جرادات..
نصرة لضحايا جزيرة إبستين.. هتاف أطلقه رجال حرس الثورة ليواكب هدير الصواريخ الفرط صوتية، وهي في طريقها نحو القواعد العسكرية الأميركية والإسرائيلية، في عملية استحضار أخلاقي نصرة للمستضعفين، وليس بينهم أحد من الإيرانيين أو من عامّة المسلمين، ولكنها النصرة الإنسانية في سياقها الحضاري، في تعبير يلامس مظلومية الأطفال الأميركيين الذين بطشت بهم عصابة جزيرة إبستين، قبل أن يبطش التوماهوك الأميركي الذي أطلقته العصابة ذاتها وهي تستبيح الطفولة الإيرانية البريئة في مدرسة ميناب.
“هديةٌ إلى روح الطيار في القوات الجوية الأميركية الذي أحرق نفسه فداءً لفلسطين؛ آرون بوشنل، أولئك الذين يسعون إلى تحقيق العدالة سيذكرونك دائماً.”
هذا ما خطّه قلم الحرس الثوري على طائرة “شاهد” المسيّرة، وهي تعبر طريقها لتدمّر قاعدةً جويةً أميركيةً هنا أو هناك في مستوطنات الخليج. تستحضر هذه الكلمات اسماً أحرقه ضميره نصرةً لغزة، فأحرق جسده أمام السفارة الإسرائيلية في واشنطن؛ ضميرٌ مشتعلٌ تلقفته ذاكرة الحرس وسط هشيم الحرب، لتخلّد ذكراه.
حرب دفاعية يخوضها حرس الثورة باقتدار، وهو ينطلق فيها وفق خلفيته الأخلاقية في سياقها الفلسفي العقلي، فالمعتاد من المحارب وقتما تدور دائرة الحرب، أن يستنهض جوانب القوة الجسدية والعسكرية مع التحفيز المعنوي، إضافة إلى الروح الثأرية في مواجهة عدوان غادر تمّ فيه اغتيال القائد ومعه مئات الأطفال.
ولكن رجال حرس الثورة يتجاوزون هذه المفردات والخلفيات التقليدية، ليحلّقوا بعيداً في فضاء الصواريخ التي يطلقونها على مسافة 2500 كم وأكثر، ليسبروا أعماق الوجدان الإنساني، وهم يستذكرون جراح غزة النازفة، ويتحسسون دماء السيد حسن نصر الله والقائد إسماعيل هنية، ويقسمون أنّ صرخات أبي عبيدة وأبي حمزة في غزة لن تهدأ، ثم لا ينسون أن يوجّهوا رسالة شكر وعرفان لرئيس وزراء إسبانيا على وقفته الشجاعة في هذه الحرب وهو يرفض السماح لأميركا باستخدام موانئها.
عين نحو الفضاء الإسلامي والعالمي وعين أخرى نحو فلسطين، وقبضة في حماية الجغرافيا الإيرانية تطال أضعاف مساحة إيران عشرات المرات، وشعارات للحرس في تكريم فريق كرة السلة للصبايا الإيرانيات، العائدات على وقع الحرب وهي تصل أبواب أستراليا فتجبر حكومتها على أن تصغي لهتافات الحرس، وتتجاهل صرخات ترامب الغاضبة وهو يتوعّدها باعتراضٍ جوي يخطف فيه صبايا الفريق الرياضي، ليزعم أنهن في لجوء سياسي، عاد الفريق ليعيش في الظلّ الإيراني تحت القصف، فاستحقّ التكريم مع هدير الصواريخ وعبر كلّ الشوارع الإيرانية.
اتسع فضاء حرس الثورة الإعلامي وهو يغادر اللغة الفارسية الأم، ليعانق لغة الإسلام العربية بلكنة فارسية أصيلة، فيطلق إبراهيم ذو الفقاري كلماته الندية وهي تخرج من القلب، بحسب وصفه الدقيق، يوجّهها باللغة العربية لأهل غزة وفلسطين والأمة الإسلامية، ويطلق قبضة ذراعه الفولاذية في قسم الوفاء الذي أطلقه الإمام الخميني منذ انتصار الثورة الإسلامية، أنّ فلسطين كانت وستبقى الحاضر الأول في المشروع الإسلامي للثورة الإيرانية وقواتها المسلحة، وهو ما تأكّد عبر موافقته ليوم القدس العالمي الذي كانت تحييه الجماهير الإيرانية والإسلامية على امتداد العالم منذ 47 عاماً بالهتافات والمؤتمرات والتظاهرات، ولكنها اليوم تحييه برسائل الحرس الصاروخية وهي تداعب عليل القدس، لتشقّ طريقها نحو مراكز الكيان العسكرية والأمنية.
هو الوعد الصادق الإيراني في مواجهة الغضب الملحمي الأميركي وزئير الأسد الإسرائيلي، خلاصة فكرية حضارية تعكس توجّهات كلّ طرف، فالإيراني وهو يواجه عدوانية الكيان الإسرائيلي منذ اعتدى على قنصليته في دمشق عام 2024، أطلق وعده الصادق تيمّناً بالوعد الصادق اللبناني عام 2006، وعداً أخلاقياً أطلقه سماحة السيد الشهيد حسن نصر الله للأسرى، وترجمه بانتصار عسكري عظيم، ليظل هذا الوعد الأخلاقي الصادق عنوان المقاومة من لبنان حتى إيران.
وعد صادق يؤكد خلفيات الجهاد الأخلاقية في إيران، وهو يمتد من الوعد الصادق1 حتى الوعد الصادق 4 تكريساً لحضور الفكر في عين الميدان، فيما جاء المسمّى الأميركي كما الإسرائيلي على حربهما الغادرة، انعكاساً للكبر والتفاخر والغطرسة في زمن طائرات الأف 35 والبوارج البحرية وقنابل الاغتيال في تكنولوجيا التجسس، فإذا بالوعد الصادق يهز جبروت هذه الطائرات ويطرد البوارج من البحار، ويواصل رحلة الوفاء للدماء المهدورة هتافاً للمظلومين يبعث فيهم الأمل، كما هو حجة على الظالمين ليعودوا عن ظلمهم.
يعبّر حضور الفكر في السياق الحضاري والأخلاقي وسط الحرب، عن طبيعة المشروع الإيراني، فهو مشروع يستحضر مسمى “خاتم الأنبياء” للمقر المسؤول عن التنسيق بين حرس الثورة والقوات المسلحة، ليشير نحو رسالة خاتم الأنبياء محمد بن عبد الله عليه وآله الصلاة والسلام، رسول الله للبشرية جمعاء، كما تنادي هتافات الميدان بعلي وفاطمة والحسين وكربلاء وزينب والعباس، باعتبارها حديقة فكرية تأريخية إسلامية تتجاوز الإطار الشيعي المذهبي، وإن كانت في روح أصله، لتبعث في الشعار واقع المظلومية التأريخي في شقّه الإنساني، ما يعزّز هدف المعركة ورسالتها الأخلاقية في المشروع الإيراني الإسلامي.



