إقتصادي

اهوارنا بين الهوية الوطنية والبيئة المنسية

694

وكالة انباء براثا
للاهوار في العراق تاريخ يمتد أكثر من ستة آلاف سنة وربما أكثر من ذلك حيث تدل كل المخطوطات على ان الاهوار لعبت دورا تاريخيا في بناء الانسان العراقي القديم الذي سكنها منذ آلاف السنين، فحضارة سومر ليست القراءة والكتابة فقط بل هي حضارة الاهوار وما يكونه من قصب وبردي فالقصب والبردي له دلالات تاريخية عظيمة في الحضارة السومرية فحضارة سومر هي حضارة طينية ممزوجة بالقصب والبردي وما يتواجد في هذه البيئة من حيوانات من اشهرها الجاموس، فرسومات الجاموس وشبكة صيادي الاسماك وجدت في أغلب الاثار السومرية في اور وفي أماكن غير مكتشفة داخل الاهوار نفسها ، فالذي يتجول في اهوار جنوب العراق بزورقه السومري (المشحوف) تصادفه عدة مناطق يابسة مرتفعة عن مستوى القصب والبردي وهذه المرتفعات في حقيقتها ما هي إلا أماكن كان يسكنها الانسان العراقي القديم وقد تركها لأسباب نجهلها .. يمتاز نبات القصب بقوته ومقاومته للظرف الطبيعية من حرارة الشمس والمياه التي تمتاز بها بيئة الاهوار.. من يسكن الاهوار لا يحتاج الى طعام أو شراب فالماء والنبات والطير والحيوان يكفي هذا الانسان كل مؤونة يروم الحصول عليها لا بل الاسماك ولبن الجاموس من الاغذية الغنية بالمواد الغذائية ويضرب المثل العراقي للشخص القوي البنية (هذا شارب حليب دواب) ويعني ان تغذيته هي حليب جاموس فاغلب مربي الجاموس خاصة الشباب يعمد الى النوم تحت الجاموسة ليشرب من ضرعها مباشرة دون ان يصيبه اي ضرر، يبني سكان الاهوار بيوتهم من القصب والبردي بأشكال هندسية جميلة وحتى وسائل تنقلهم بعض الاحيان تكون مصنوعة من القصب والبردي ، حتى الحبال المستخدمة والتي يصنع منها البيت والزورق تكون من القصب نفسه.. وسائل الصيد خاصة صيد الاسماك تعتمد على الشباك بأشكالها المختلفة، هذه المهنة كانت ولم تزل منذ آلاف السنين لم تتغير ..حيث وجدت الرسوم وطرق الصيد مرسومة على جدران الاثار القديمة لبلاد سومر .. الملابس والازياء لم تتغير إلا قليلا كل العراقيين من سكان الاهوار والريف نراهم يلبسون (اليشماغ) العراقي الاسود و الابيض والذي هو عبارة عن نقش لشبكة الصياد وامواج مياه الاهوار..تعرضت مناطق الاهوار لعدة ازمات منها متعمدة من قبل الانسان ومنها طبيعية بسبب الجفاف وهذه الازمات المتعمدة كانت من قبل الانظمة المستبدة التي حكمت العراق والتي قامت بتجفيف او محاولة تجفيف الاهوار.. تعرضت الاهوار للتدمير في نهاية الحكم العباسي خلال ثورة الزنج حيث كانت مناطق الاهوار والبطائح من المناطق التي يصعب الوصول اليها بسبب كثرة المياه والاطيان حتى اصبحت ملاذا للثوار بعيدا عن اعين وجيوش الدولة العباسية.. كذلك في العهد العثماني ، فاغلب المعارضين للوجود العثماني استفاد من بيئة الاهوار كملاذ امن و نقطة انطلاق لمهاجمة القوات العثمانية .. ارتبط الثوار ارتباطا وثيق ببيئة الاهوار ليس لصعوبة الدخول اليها وصعوبة بيئتها ومسالكها فقط ، لكن للأسباب التي ذكرتها سابقا وهي ما توفره هذه البيئة من غذاء متكامل ، لا ننسى ان وجود القصب والبردي الجاف يستفاد منه كوقود في عملية الشوي (الطريقة السائدة لسهولتها) وكذلك الطبخ كما يستفاد من القصب والبردي في التدفئة في وقت الشتاء اضافة للانارة .. كل هذه الفوائد جعلت من الاهوار ملاذاً امناً ومفيدا للثوار وكل المطاردين من قبل الانظمة التي مرت على العراق … في بداية التسعينيات انطلقت من الاهوار ثورة شعبية عارمة على نظام صدام بعد هزيمته في حرب الكويت ، لم تنطلق الثورة الشعبية من فراغ بل كانت هناك مجاميع مسلحة أو شبه مسلحة اتخذت من بيئة الاهوار ملاذا لها والتي كان أكثرها غير مسيس بل افرادا ملوا الحرب والسياسة الصدامية التي جعلت الانسان العراقي بلا هدف أو أمل بالحياة فلم يجد امامه إلا الهور ملاذا ليختفي عن عيون البعث وعملاء السلطة الصدامية وما يقومان به من تنكيل وبطش ضد ابناء الجنوب خاصة من الفقراء الذين اصبحوا وقودا لحروب صدام العبثية .. بعد زوال نظام صدام استبشر سكان الاهوار خيرا وهم ينتظروا ان تعود الحياة للاهوار ويعم الخير لساكنيها لكن املهم وفرحتهم لم تكتمل حيث انشغل الحكام الجدد بمشاكلهم وما يجمعونه من اموال وغنائم من ثروات العراق المنهوبة..!! تناسوا هؤلاء الحكام الاهوار وغير الاهوار وكل ما يفرح ويسعد العراقيين.. لكن الاصوات الوطنية العراقية الخيرة لم تكل ولم تمل فقد بذلت جهودا خيرة في هذا المضمار بإعادة الحياة لبيئة الاهوار والذي تكلل اخيرا بوثيقة أو اعلان ان اهوار جنوب العراق هي من المناطق المحمية وبرعاية دولية لكننا لحد الان لم نر اي جهد حقيقي من قبل الدولة للسير بهذا الاتجاه … يا ترى هل تعود الاهوار الى سابق عهدها أم تبقى بيئة منسية متمردة ؟.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى