ثقافية

المقهى

662

محمد جاسم العكيلي

حينما قرر الرحيل من المقهى، الذي ارتاده اشهرا عديدة، كان من حوله من الزبائن يحزمون امتعتهم لقطع صلتهم به، برغم ما حباهم به من حُسن المعشر، كان يرى في عيونهم شبح الخوف من المجهول، من جدران المنافقين المحيطة بهم، ومهدمي “تنانير” الخبز، فيما كبيرهم يرقب لحظات الوداع الخجولة من كرسيه العاجي، المرصع بالوعود الكاذبة، فيما ثُقِبَ ضميره الصدئ، من بركة راكدة لعرق المتعبين، في قعره المظلم.لملم “حميد” كل ما يتعلق به، ولا سيما القهوة المخصوصة التي قدمها لادارة المقهي، كي يرتشف منها القليل خلال ارتياد هذا المكان الذي احبه كثيرا، و هم بالمغادرة، خطواته كانت اثقل من عيارات ميزان ضخمة، تذكر كيف تحمل من صفعات “الكبير” المعنوية الكثير، و كيف حافظ على اتزانه كي لا يغضبه، استعرض شريطا من معاناة عائلته، لاسيما ولده المريض، الذي لم يجد في جيبه ما يكفي من المال لعلاجه، برغم وعود كبير الجلسة باسترداد ما استدانه منه خلال الاعوام السابقة، فيما كان ابن كبير الجلسة ينعم برعاية خاصة في احدى المنتجعات الاوربية.
رمق “حميد” كبير الجلسة بنظرة اشفاق وابتسم، فيما بادله الآخر بنظرة حادة، وصرخة مدوية: “هذا مصير من يحاول سرقة اموالي، لن يكون له مكان بقربي، وسأقطع رجلك ان عدت الى هذه المقهى مرة ثانية”.
واصل حميد ابتسامته وفتح باب المقهى المبردة بشدة، وخرج الى الشارع المفعم بسخونة الشمس، الا انه بكى بعد رؤية صاحبه “علاء” وهو يغادر المقهى بالطريقة والظروف أنفسهما.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى