اراء

لماذا توقفت الحرب فجأة على طهران؟ .. الأسباب والسيناريوهات المحتملة

بقلم: شرحبيل الغريب..

هناك قاعدة جوهرية في الحروب الكبرى تقول، لا تُقاس نتائج الحرب بالخسائر والتدمير أو بعدد الضربات، بل بالنتائج والقدرة على تحقيق الأهداف المعلنة سواء كانت أهدافاً سياسية أم استراتيجية، ولكن ما حدث بين “إسرائيل” وإيران فجأة ومن دون مقدمات من وقف إطلاق النار ودون حسم المواجهة هو أمر لافت ويدعو إلى التوقف والقراءة.

ثمة سؤال يطرح نفسه في هذا السياق، لماذا توقفت الحرب بين “إسرائيل” وإيران من دون حسمها وتحقيق أهدافها المعلنة؟ وما الأسباب والسياقات التي جعلت المواجهة قصيرة الأمد بهذا الشكل بعد إعلان “إسرائيل” أنها حرب طويلة مفتوحة لا سقف زمنياً لها

في حسابات الربح والخسارة أو في ميزان الانتصار والهزيمة أثناء الحروب، فإن إيران هي الطرف الرابح والمنتصر في هذه المواجهة التي امتدت اثني عشر يوماً، لم تستطع “إسرائيل” التي بدأت الحرب إسقاط النظام في إيران ولم تمنحها نصراً مطلقاً كما أرادت، تلقّت خلالها ضربات صاروخية قوية ضربت عمق “تل أبيب” وضواحيها، واستهدفت مواقع عسكرية وبحثية حساسة لم توجّه لها من قبل، شكلت لها حالاً من الصدمة والارتباك، ولم تستطع ومعها أميركا شلّ البرنامج النووي بالكامل، ربما تكون أضعفته لكنه قابل للترميم، في المقابل أثبتت إيران أنها قوة إقليمية عصية على الاقتلاع بسهولة، وكل ما جرى هو وقف إطلاق النار.

لو عدنا في الذاكرة إلى الوراء قليلاً، مع بداية الحرب أعلنت “إسرائيل” عن تصاعد تدريجي لأهداف نتنياهو في إيران، إذ بدأ حديثه بتدمير وإسقاط أركان النظام في إيران واغتيال قائد الثورة الإسلامية السيد علي خامنئي، والقضاء على برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، وصلت إلى حد إعلان رئيس الأركان الإسرائيلي أن “إسرائيل” في حرب طويلة لا أحد يعلم متى ستنتهي، ثم يأتي الخبر فجأة عن وقف إطلاق النار.. فما الذي جرى؟

قد يسأل سائل، كيف ربحت إيران الحرب؟ وكيف فشلت “إسرائيل” في تحقيق أهدافها؟

ثمة أسباب تحسم الإجابة عن هذا التساؤل المهم، فما حصل هو اتفاق وقف إطلاق النار، ولم تنجرّ إيران للتوقيع على شيء ملزم، بل تم على غير رغبة من “إسرائيل”،  أصبحت فيه إيران غير ملزمة بالتفتيش على منشآتها النووية، خاصة أن كل ما جرى في الأساس شكل عدواناً إسرائيلياً أمريكياً سافراً، سيعطي إيران الحق في إعادة ترميم واستئناف تطوير سلاحها النووي، والأهم من استخلاصات هذه المواجهة أنه مكّن إيران من الحصول على تقييم دقيق لقدراتها، وسد الفجوات على صعيدين، في منظومة الدفاع الجوي وفي الإخفاقات الداخلية التي برزت أثناء المواجهة

ثمة أسباب أخرى في هذا السياق، إذ أبقى على إيران كدولة مركزية في المنطقة، بعقيدة أكثر عداء لـ”إسرائيل”، ونظام أقوى، وتماسك داخلي أمتن ملتف حول القيادة الإيرانية، وتعزز هذا الالتفاف بعدما نجحت إيران في توجيه ضرباتها، وبعد ما حققته الصور التي نُقلت عبر الشاشات، وهذه سابقة في تأريخ الشرق الأوسط.

أثبتت إيران خلال اثني عشر يوماً سردية عدائها لمشروع “إسرائيل” في المنطقة، وهذا يُعدّ تحولاً وتحققاً بالفعل من الخطاب السياسي إلى الترجمة العملية بالصواريخ الباليستية والعنقودية.

نجحت إيران في الحفاظ على نفسها كدولة داعمة لكل مشاريع المقاومة في المنطقة، ورفضها كل أشكال العدوان على لبنان وغزة، وهذا يعني فشل الهدف الإسرائيلي في كسر شوكة إيران ورأس محور المقاومة وفرض شرق أوسط جديد.

توقف الحرب بين إيران و”إسرائيل” فجأة، يثير تساؤلاً حول السيناريوهات المحتملة بعد وقف إطلاق النار، فتوقف الحرب بهذا الشكل لا يعني نهاية الصراع، بل يمثل تحولاً استراتيجياً وينقل حال الحرب العسكرية إلى حال اللاحرب واللاسلم، ويجعل من الوضع حالاً قابلة للاشتعال في أي لحظة، وهنا تكمن حقيقة هذه السيناريوهات.

الأول/ تحول الحرب من المواجهة المباشرة إلى حرب خفية وضربات غير معلنة، وهذا أسلوب قديم جديد في أساليب المواجهة بين “إسرائيل” وإيران، وربما تشمل الفترة المقبلة تنفيذ اغتيالات واستهدافات دقيقة ومركّزة لعلماء إيرانيين كما حدث من قبل، وتنفيذ هجمات سيبرانية، أو ضرب لمنشآت عسكرية بأيادٍ خفية داخلية متعاونة مع “إسرائيل”، وهذا السيناريو يبقي حال الصراع مفتوحة من دون الانجرار إلى مواجهة عسكرية شاملة.

الثاني/ ما جرى يُعد درساً كبيراً لإيران، وشكّل الاتفاق الذي جرى فشلاً إسرائيلياً مثل انتصاراً لها، وبالتالي سيشجعها على ترميم وتسريع وتيرة برنامجها النووي على صعيد الردع المستقبلي، أو تحسين شروط التفاوض في حال استؤنفت مجدداً.

الثالث/ ما جرى يعطي درساً بفشل “إسرائيل” في كسر إيران وتقويض نفوذها في المنطقة، وهذا قد يجعلها تعمل على إعادة ترتيب أوضاع حلفائها في المنطقة، وسيشجعها على إعادة صياغة المشهد من جديد، بما يشكل ردعاً أكبر لـ”إسرائيل” خلال الفترة المقبلة.

الرابع/ معروف أن الإدارة الأميركية الحالية تفضل مسار الصفقات في المنطقة، وبالتالي ربما تعمل في الفترة المقبلة على تثبيت الاتفاق أو خطوط عريضة تمنع التصعيد مجدداً بين “إسرائيل” وإيران، وتُبقي على نوع من التفاهم يُرضي كلاً من إيران و”إسرائيل” مع محاولة إحياء مسار التفاوض النووي من جديد لتجميد مسار الحرب العسكرية لأمد طويل.

الخامس/ الحرب التي جرت أعطت دروساً لكل الأطراف في المنطقة، وكشفت هشاشة التحالف الخليجي الأميركي من جهة، كما كشفت حال التردد الأوروبي في دعم “إسرائيل” الصريح بمواجهة مباشرة مع إيران، وهذه الدروس ستدفع الكثير من الأطراف إلى تقييم تحالفاتها والتوجه إلى إعادة النظر في سياسة التحالفات، والتوجه لتهدئة الأوضاع مع إيران، وهذا بحد ذاته يُعد تغيراً جذرياً في المشهد الجيوسياسي الإقليمي.

ما جرى لم يكن مواجهة عسكرية فحسب، بل شكل زلزالاً استراتيجياً ستبقى توابعه ظاهرة في المنطقة لسنوات مقبلة، المشهد ما بعد الحرب العسكرية قد يكون أكثر تعقيداً من الحرب ذاتها، صحيح أن المواجهة العسكرية توقفت، لكن الصراع لم ينتهِ، فقد انتقل من جبهة الحرب المباشرة إلى جبهات كثيرة متعددة ستختلف أشكالها وصورها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى