زهران.. 7 أكتوبر.. تصدع الفيتو الصهيوني في العالم

بقلم: محمد يعقوبي..
حين فاز يوسف زهران برئاسة بلدية نيويورك، لم يكن ذلك مجرد حدث محلي عابر، بل هو زلزال سياسي يعكس تصدّع الفيتو الصهيوني الذي لطالما حكم السياسة الأمريكية.
فنيويورك ليست مدينة نائمة أو عادية، بل تشكل قلب النفوذ المالي والإعلامي المؤيد للكيان الصهيوني. ومن شوارعها، صعد زهران بخطاب واضح وصادم، غير قابل للتأويل، منحاز بشكل كامل لفلسطين، واصفًا ما يجري في غزة كما يصفها أحرار العالم بـ”الإبادة الجماعية”، بل وصل حد التحذير من أن رئيس حكومة الكيان المحتل إن زار نيويورك، فسيُعامل كمجرم حرب.
تصريحات كهذه كانت بالأمس جريمة يعاقب عليها العرف الاجتماعي الأمريكي، واليوم أصبحت عناوين انتخابية نحو السلطة، فكيف انقلب المشهد كل هذا الانقلاب؟ ولماذا يمثل زهران أكثر من مجرد مترشح ثم منتخب كرئيس بلدية؟.
زهران.. سيرة ذاتية للوعي الجديد
يوسف زهران، ليس مشاكسا متطفلا على السياسة كما يصفه خصومه، ولا صاحب شكل وصوت مزعجين كما يحاول ترامب استفزازه، بل هو صوت قادم من العمق الأمريكي، يمثل جيلاً من الشباب الذين تطورت أفكارهم مع تطورات ما يحصل حول أمريكا وليس داخلها فحسب، هو ناشط نشأ في بيئة أمريكية متعددة الأعراق، ربط بين العدالة الداخلية والعدالة العالمية. لم تكن مواقفه من فلسطين مستجدة، بل نابعة من رؤية تؤمن أن ما يحدث في غزة ليس قضية خارجية، بل امتداداً لما يعيشه المضطهدون في أمريكا نفسها.
ترشح زهران كان يُعد ضربًا من الجنون، لكن نتائج الاقتراع كشفت عن تغيّر عميق في المزاج الأمريكي خاصة لدى الشباب الذي لم تلوثه الدعاية الصهيونية، خصوصًا بين النساء والطلبة والمستقلين، الذين لم يلتفوا على دعمه، بل انحازوا إليه بسبب مواقفه. فوزه جاء تتويجًا لتحول ذهني عميق بدأ يتبلور بعد 7 أكتوبر، حيث أصبحت الجرأة على قول الحقيقة بشأن الكيان المحتل، لا تهمة يعاقب عليها العرف بل أحيانا إلى فضيلة تثير الإعجاب والتأييد.
الفيتو الصهيوني يتصدّع
لطالما كان دعم الكيان الصهيوني في الولايات المتحدة شرطاً لتقلد المناصب وخطًا غير قابل للمساس، لا يُقبل الترشح الجاد دون زيارة “إيباك”، ولا يُسمح بالانتقاد الصريح دون اتهامات بمعاداة السامية. زهران كسر هذه القاعدة، وردّ على تلك التهم بقوله: “معاداة السامية الحقيقية هي أن يُختزل الشعب اليهودي في جرائم نظام استعماري”. واستطاع أن يستميل إليه حتى قطاعات واسعة من اليهود.
خطابه ليس شعبويًا، بل قانونيا، إنسانيا، واعياً، وهو تعبير عن لحظة سياسية جديدة، تتجاوز الحسابات الانتخابية نحو قراءة موضوعية لسلوكيات الحلفاء والأصدقاء ومراجعة جذرية للعلاقة مع الكيان الصهيوني، خاصة بعد المجازر الموثقة في غزة.
الطوفان فتح الأبواب الموصدة
ما كان لزهران أن يصل إلى هذا الموقع لولا الزلزال السياسي والأخلاقي الذي أحدثه 7 أكتوبر. فقد شكّل هذا اليوم بداية تحول في الرأي العام، لا فقط في أمريكا، بل في العالم أجمع. لأول مرة، اهتزت الرواية الصهيونية من جذورها، ولم يعد الكيان المحتل، قادرًا على احتكار سردية الضحية.
الطلاب والأساتذة والإعلاميون بدأوا يتململون، والجامعات تحولت إلى ساحات محاكمة، وبدأت ملامح انقسام داخل مؤسسات الإعلام والسياسة تظهر بوضوح، زهران لم يركب الموجة، بل كان من أوائل من قرأوا التحول وساهموا في صناعته.
طهران.. خلفية المعادلة الجديدة
بين زهران و7 أكتوبر، تبرز طهران كمحور ثالث في المعادلة، لا بوصفها لاعبًا انتخابيًا، بل رمزًا للممانعة الإقليمية التي لم تنحنِ، لم تكتفِ طهران بالشعارات التي يتهمها به بعض السنة، بل دعمت المقاومة عمليًا، رغم الثمن الباهظ سياسيًا واقتصاديًا.
وعندما شنّ الكيان الصهيوني، مدعومًا أمريكيًا في حزيران، واحدة من أعنف الضربات الجوية على منشآت إيرانية، ردّت طهران بقصف صاروخي على مواقع في حيفا وتل أبيب وقاعدة العديد الأمريكية في قطر. لم تسقط إيران، بل ثبتت، واستثمرت الضربة في تعرية الفجوة بين واشنطن وتل أبيب.
فشل الحرب على إيران لم يهزّ طهران، بل هزّ التحالف نفسه. وأدركت عواصم الخليج والغرب، أن الكيان المحتل لم يعد الحليف “المضمون”، بل عبئًا استراتيجيًا. ومع كل ضربة، تتكشف هشاشة المشروع الصهيوني الإقليمي.
ارتجاج النفوذ الصهيوني في العالم
تجاوز الارتجاج حدود أمريكا ليصل إلى أوروبا. في بريطانيا التي كانت سببا بزرع هذا الكيان في الشرق الأوسط، تصاعدت التظاهرات، وبدأ البرلمان يشهد أصواتًا ناقدة للكيان الصهيوني لم تكن موجودة قبل عام. في فرنسا، تحوّلت مواقف رسمية إلى مربكة أمام الضغط الشعبي والإعلامي، الذي لم يعد قادرًا على تبرير الجرائم بحق المدنيين الفلسطينيين.
حتى ألمانيا، التي اعتُبرت لعقود “درع الكيان المحتل الأخلاقي” في أوروبا، بدأت تعيش انقسامًا داخليًا واضحًا، بين حكومة لا تزال حذرة، وشعب يرفض الصمت، أما حلف الناتو، فدخل بدوره مرحلة مراجعة صامتة، إذ باتت مغامرات الكيان المحتل، تُهدد الاستقرار الأوروبي ولا تخدم المصلحة الغربية كما كانت تُصور.
زهران.. بداية الحكاية
“زهران، طهران، 7 أكتوبر” ليست مجرد كلمات، بل ثلاث علامات على بداية مرحلة جديدة، زهران هو وجه الوعي الجديد في أمريكا، و7 أكتوبر هو نقطة تحول في الضمير العالمي، وطهران هي الخلفية التي تعطي للمعركة بعدًا شعبياً وإقليميًا لا يمكن تجاهله.
لم يعد الكيان المحتل ذلك الكيان الذي يُطاع دون سؤال، بل كيان يُساءل، يُنتقد، ويُحاصر أخلاقيًا. ومن نيويورك إلى غزة، مرورًا بطهران، ولندن، وبرلين، تكتب ملامح عالم جديد، لا تحتكر فيه الصهيونية الحقيقة، ولا يحتكر فيه لوبيها القرار.
الفيتو الذي طالما حال دون صعود الأصوات الحرة بدأ يتصدع، وزهران ليس النهاية، بل على ما يبدو هو البداية لوعي جديد بصدد اجتياح الضمير العالمي.



