اراء

ما بين لبنان والكيان الإٍسرائيلي

بقلم: غسان ملحم..

ربما يكون لبنان، من دون مبالغة، ثاني أكثر بلد عربي، بعد فلسطين المحتلة، قد تضرر وتأذى من “إسرائيل” على امتداد تأريخ الصراع العربي – الإسرائيلي وعلى امتداد المنطقة العربية، من مشرقها إلى مغربها العربي، مرورًا بخليجها بطبيعة الحال.

فلبنان، من حيث الصيغة والنموذج والتجربة، وكذلك ماهية وطبيعة الدور الإقليمي، إنما هو نقيض “إسرائيل” بالوجود. تعي الأخيرة هذه الحقيقة وهذا الواقع. وهي تتعامل وتتعاطى معه على هذا الأساس ومن هذا المنطلق ومن هذه الزاوية. فماذا بين لبنان و”إسرائيل” سابقًا وحاضرًا ولاحقًا؟

نظرة وموقف “إسرائيل” حيال لبنان

بالنسبة إلى “إسرائيل”، يجب على لبنان، على طول الطريق وعلى امتداد تأريخ البلد والمنطقة، ألا يستقر أولًا، وألا ينتعش ثانيًا، وألا يزدهر ثالثًا وأخيرًا. ربما يظن البعض في الداخل وفي الخارج، أنها لعنة التأريخ والجغرافيا! الثابت أن “إسرائيل” تنظر إلى لبنان على أنه المنافس الإقليمي لها في الموقع الاستراتيجي وفي الدور الاقتصادي.

مشروع ومخطط “إسرائيل” في لبنان

بناءً على نظرة “إسرائيل” إلى لبنان وموقفها منه، وهما بالتأكيد جزءٌ لا يتجزأ من العقيدة الصهيونية لـ”إسرائيل” وسياستها واستراتيجيتها حيال هذا البلد وضمن نطاق هذه المنطقة، فإن مخطط أو مشروع “إسرائيل” تجاه لبنان يحيلنا على ثلاثية التطبيع والتقسيم والتوطين، بصرف النظر عن كيفية ترتيب المقومات الثلاثة في هذا المخطط وهذا المشروع لـ”إسرائيل” ضد لبنان.

فهي تريد من التطبيع التوقيع من قبل لبنان، أو لنقل حكومة لبنان، على وثيقة الاستسلام لـ”إسرائيل” والتسليم بشروطها السياسية، لا التطبيع بمعنى جعل العلاقات طبيعية بين “إسرائيل” ولبنان، مع العلم أن هذا الأمر مرفوض وغير مقبول، وهو مردود، بل إنه مستحيل.

وهي تريد أيضًا تقسيم البلد وتفتيته، بطريقة أو بأخرى، واقتطاع وابتلاع جنوب لبنان، على الأقل وبالحد الأدنى، وفق رؤيتها التوسعية، الاستيطانية والاستعمارية. كما أنها تريد توطين ما أمكن من لاجئين فلسطينيين ومهجرين ومهاجرين سوريين في لبنان، أو بالأحرى ما تبقى من لبنان، للقضاء عليه أو التخلص منه، لكونه وبوصفه لاعبًا إقليميًّا منافسًا، ذا مواصفات تنافسية.

إسرائيل” ومسار التطبيع مع لبنان

احتدم في الآونة الأخيرة النقاش السياسي والإعلامي بين اللبنانيين بشأن قضية التطبيع مع “إسرائيل”، أو لنقل توقيع معاهدة السلام بين لبنان و”إسرائيل”. وقد انقسم اللبنانيون بين مؤيد ومعارض، حول هذه القضية، بمن فيهم الرأي العام من عامة الناس والإنتليجنسيا السياسية، بعيدًا من الحسابات الراسيونالية والبراغماتية والتقديرات الواقعية والمنطقية لمصلحة الشعب والبلد.

من هنا، قد يكون من المبكر الإسراع والتسرع من قبل البعض في الداخل ومن الخارج بطرح قضية السلام والتطبيع مع “إسرائيل”، بُعَيد العدوان الأخير مباشرة. أكثر من ذلك: لا يجوز بميزان المسؤولية الوطنية، لا حاضرًا ولا مستقبلًا، التفكير في هذا المسار، ولا حتى الدعوة له، والترويج الإعلامي والتسويق السياسي له، من دون مراعاة مشاعر وأحاسيس وهواجس الكثير من اللبنانيين وعلى حساب حرمة دماء شهدائهم وجرحاهم! و”إسرائيل” لا تقبل بأن يستفيد لبنان بالذات وبالتحديد من الفرص الاستثمارية، المحتملة أو المفترضة، من السلام والتطبيع في الإقليم، على خلفية وأرضية الأسباب المتصلة بالنظرة الصهيونية، والموقف الصهيوني، والتناقض الوجودي والتنافس الوظيفي بين لبنان و”إسرائيل”. وهنا الطامّة والفضيحة!

الخاتمة

حالة العداء بين لبنان و”إسرائيل” أكبر وأبعد وأعمق من حالة الحرب واحتمالاتها، سواء بقيت الحرب العسكرية بينهما ساخنة أو حامية، أم عادت باردة، أم حتى انتقلت إلى وضعية الهدنة العسكرية، كما كانت سنة 1949. إن “إسرائيل” لا تدع لبنان وشأنه البتة. فهي لم تتركه في الماضي وشأنه، ولن تتركه في الحاضر ولا في المستقبل وشأنه. وعلى الطبقة السياسية عمومًا والطبقة الحاكمة خصوصًا، بما فيها القوى السياسية، والكتل النيابية، وقادة الرأي والنخب المثقفة، التفكير والتخطيط، ومن ثم التحرك والتصرف، على هذا الأساس، وفق مقتضيات المصالح الوطنية، من دون إنكار، ولا إغفال، أهمية وخطورة التهديدات الإسرائيلية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى