بعد انتهاء الحرب ستبدأ الأسئلة الصعبة.. مَنْ الحليف ومَنْ العدو؟

بقلم: المهندس سليم البطاينة..
لا يزال من الصعب التنبؤ بنتيجة الحرب على إيران، لكن بغض النظر عن الطريقة التي ستنتهي بها أياً كانت نتائجها، ستقف المنطقة أمام أسئلة مفتوحة، وإن كانت صعبة، تُعيد رسم كثير من معادلات العلاقات السياسية والاقتصادية في المنطقة والإقليم.
وقد لا يكون السؤال من سينتصر في هذه الحرب؟ بل أي شرق أوسط جديد سيولد من رمادها؟ ومن سيتحمل الكلفة الأكبر من الأرباح والخسائر؟.
بالتأكيد، بعد انتهاء الحرب لن يعد ممكناً التعامل مع قضايا الأمن والاستقرار في المنطقة بمنطق الدولة المنفردة، حيث لن تبقى الحدود العربية حدود فاصلة بين دول بل أدوات بيد قوى تبحث عن اعادة تعريف النفوذ وتسيير دفة الاقتصاد والسياسة يُعاد فيها توزيع الأدوار من جديد، حيث عادت الجغرافيا من جديد لتفرض نفسها عبر الممرات الحيوية بشل الاقتصاد، وارباك الأسواق، وتعطيل سلاسل الامداد.
المنطقة أمام لحظة قادمة لم تكتمل فصولها بعد، وما نشهده ليس نهاية اللعبة، بل مجرد فصل جديد في مسرحية طويلة لا تُدار فيها السياسة بمنطق الحلول الشاملة، بل بالنهايات المفتوحة.
مرحلة من التقلبات الجيوسياسية تُكتب فيها قواعد جديدة تتجاوز حدود الجغرافيا الوطنية، ما يجعل الصراع قابلاً لأن يمتد لسنوات طوال، فالتجارب التأريخية أثبتت ان المنطقة لا تعرف الحروب القصيرة، ولا النهايات البسيطة (حروب تستمر دون حسم وتسويات تُطرح دون عدالة).
التأريخ يشهد ان الخيانة ثقافة متجذرة في الوجدان الأمريكي، وان أمريكا لا تنهي حروبها، بل تتركها معلقة، تاركة وراءها فراغاً أمنياً خطيراً، وأحياناً حروب أهلية.
في كل مرة النهايات مفتوحة، تنسحب من أدوارها فجأة، في فيتنام خاضت أمريكا حرباً قرابة العقدين، وانتهت بانسحاب مُخزٍ من سقف السفارة في سايغون.
–المسرحية الأطول كانت في أفغانستان، انسحبوا بعد عشرين عاماً، وعادت طالبان أقوى مما كانت عليه من قبل.
لم يكن العالم يوماً أسوأ مما يبدو عليه الآن.. يتغير بشكل دراماتيكي أكبر مما يتخيله أحد؛ فوضى وارتباك وتضارب مصالح، وعلى العرب إدراك هذه الحقائق حتى لا يكونوا ضحية التأريخ مرة أخرى.
-أوروبا لم تعد مهتمة بدخول الحروب الأمريكية، وأصبحت تبحث عن مفهومها الخاص للأمن القومي الجماعي.
-اليابان تدير ظهرها لأمريكا، ولديها حالة من الحذر والامتناع عن دعم العمليات العسكرية ضد إيران.
-رئيس وزراء كندا Mark Carney أنتقد الإجراءات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران.
-تايوان تسير نحو فكرة الانضمام السلمي للصين، مقابل الحكم الذاتي، والشعب التايواني بدأ يفهم ان نموذج الحماية الأمريكية غير مستدام وأنه إذا دخل في مواجهة مع الصين فلا فرصة له.
–كوريا الجنوبية قدمت قبل شهر اعتذاراً لكوريا الشمالية عن حادثة إطلاق مسيرة كورية جنوبية فوق أجواء كوريا الشمالية، وعبّر رئيس كوريا الجنوبية عن أسفه، ووصف ما حدث بالتهور غير المسؤول، وتعهد بعدم تكرار ذلك.
-الصين أعلنت منذ بداية الحرب إنها لا تستطيع تحمل سقوط إيران، خاصة بعد ما حدث في فنزويلا، وترى ان سيطرة أمريكا على منابع النفط الإيرانية ومضيق هرمز يشكل لها تهديداً وجودياً يتجاوز الاقتصاد.
-روسيا وعلى لسان وزير خارجيتها، إن استقرار النظام الإيراني أمراً حيوياً لمصالح روسيا.
تداعيات هذه الحرب قلبت موازين عدة في العالم والمنطقة، تم فيها اختبار التحالفات، التي بدت رمادية لم تتحول الى ضمانات صلبة.. فقد تشكل رأي عام خليجي شبيه بالرأي العام الذي تشكل خلال الحرب على الكويت بشأن ظُلم ذوي القربى من العرب، من الممكن ان يقود إلى انكماش في بعض العلاقات الخليجية العربية، والخليجية الخليجية، وإلى مراجعة لآليات التعاون الأمني والاقتصادي والاستثماري.
بعد إيران، الدرس الأبرز الذي يجب على حلفاء أمريكا من العرب ان يتعلموه، وان كان مألوفاً هو درس قاسٍ بأهمية الوعي والرهان على الذات وطَي صفحة التفويض المطلق والتبعية العمياء للسياسات الأمريكية، والتوقف عن الانخراط المباشر ضمن التحالف الأمريكي-الاسرائيلي الذي قد يوفر حماية قصيرة المدى.
فالحلفاء بالنسبة للأمريكان مجرد أرقام يمكن استبدالها، والوعود الأمنية تُكتب بحبر يُمحى بسرعة البرق.
هذه هي النهايات المفتوحة للحروب الأمريكية:
– لم يعلن أحد النصر، ولم يقر أحد بالهزيمة، فلا النظام الإيراني سقط، ولا اليورانيوم المُخصب (٤٦٠ كغم) تم أخذه أو الاستيلاء عليه، والقدرات النووية والصاروخية مازالت كما هي.



