“المطعم الإيراني”

جمعة ارحيمة الفرطوسي ..
في قلب هذه المعركة الإقليمية التي أهتز لها الشرق الأوسط، لم تكن الصواريخ وحدها هي التي أطلقت من قواعدها، بل انطلقت معها رسائل استراتيجية مدوية، ضربت عمق المعادلات الجيوسياسية وخلخلت التوازنات التي اعتقد البعض أنها راسخة منذ عقود.
الإنجاز الإيراني لم يكن مجرد ردٍّ عسكري، بل إعلان مدوٍ بأن “إسرائيل ليست إلا وهماً مضخّماً”، وأنها ليست ذاك “البعبع” الذي لطالما روّج له الغرب لتخويف المنطقة وتأديبها بوجوده، لقد رأى العالم بأسره تل أبيب تتخبط، والقبة الحديدية التي صُرفت عليها المليارات تتحول إلى شباك مثقوبة، ومقلاع داود الذي زُيّن إعلامياً كمعجزة دفاعية، يظهر كأثر بعد عين، هذه ليست مجرد “ضربة”؛ إنها كسر لأسطورة طالما استخدمت لتبرير الاحتلال والعدوان والوصاية.
أما الوجه الآخر من الحقيقة – وهو الأشد مرارة – فهو سقوط الأقنعة عن معظم الأنظمة العربية والإسلامية، في لحظة اختبار المصير، اختاروا الصمت أو التواطؤ، وظهر جلياً أنهم ليسوا أكثر من وكلاء محليين لمصالح خارجية، السيادة التي يتغنّون بها في خطابهم الرسمي ليست إلا واجهة زائفة، والإرادة السياسية التي يدّعونها لا تتجاوز حدود الرضا الأمريكي أو التوجيه الغربي.
هنا، يجب على الشعوب المسلمة أن تتوقف، أن تعي، أن تميّز بين من يقاتل لأجل القدس فعلاً، ومن يبيعها على موائد القمم والتفاهمات، بين من يتلقى الضربات واقفاً، ومن يصفق لها في الخفاء، فقد انتهى زمن الرمادية، نحن في زمن الحقيقة العارية.
الدرس الأعظم في هذه المواجهة، أن الكرامة لا تُستعطى، بل تُنتزع، والسيادة لا تُستورد، بل تُبنى بالدم والصبر والإرادة، أما من اختار العيش في ظل العروش المكسوة بالخنوع، فمصيره أن يكون ذيلاً في صفحات التأريخ، لا صانعاً له.. وما بعد هذه المعركة، لن يكون كما قبلها.



