اراء

العراق بعد 2003.. ذاكرة لا تُحاكم بعدل ومرايا مكسورة للعدالة

بقلم: جمعة ارحيمة الفرطوسي ..

كثيرون هم أولئك الذين يتناولون المشهد العراقي بعد عام 2003 بسطحية مؤلمة، يرمون الواقع بحجار النقد، دون أن يتكلفوا عناء التحديق في مرآة التأريخ، يتحدثون عن “الوضع السيئ” و”ضياع الوطن” كما لو أن العراق قبل سقوط نظام البعث كان جنةً على الأرض، وكأن الرفاهية والأمن والاستقرار كانت حقائق ملموسة لا كوابيس مدفونة في مقابر جماعية.

هل نسي هؤلاء أن العراق في عهد النظام العفلقي كان مسرحًا للحروب العبثية التي لم تكن سوى قرابين تُقدَّم على مذبح جنون السلطة؟.

من حرب الخليج الأولى التي ابتلعت أعمار الملايين، إلى غزو الكويت الذي جرّ على العراق حصارًا مقيتًا، وليس انتهاءً بقصف الكيمياوي الذي جعل من سماء حلبجة شاهدة على مأساة لا تموت .

إن من يتحدث عن العراق بعد 2003 بمعزل عن ماضيه، يُجري عملية بتر قاسية للتأريخ، فالنظام البعثي لم يكن مجرد سلطة مستبدة، بل ماكينة موت عابرة للأجيال، هي من فتحت أبواب التدخل الأجنبي، ومهّدت للاحتلال، وسلّمت البلاد جثةً سياسية إلى فم الذئب الدولي .

أجل، ما بعد 2003 كان محفوفًا بالتحديات والتراجعات، لكن من يزرع الألغام، لا يحق له أن يتباكى على ضحايا الانفجارات، ما نعيشه اليوم، بكل ألمه وتشظّيه، هو استمرار طبيعي لسياسات الخراب التي أُرسيت لبناتها في عقود الدم .

وعليه، فإن الإنصاف لا يكون بالوقوف عند الحاضر فقط، بل بالغوص في جذور الخراب، والعدالة لا تُولد من ذاكرة مبتورة.

لذا، على كل محلل، وكل كاتب، وكل ضمير، أن لا ينسى لحظةً واحدة، أن ما نعيشه اليوم هو ارتداد زلزالي لهزاتٍ ماضية صنعها البعث بدمٍ ونار.

العراق لن يُشفى إلا حين يُحاكم تأريخه كما يستحق، لا بجلد الذات، ولا بتجميل الاستبداد، بل بقول الحقيقة كاملة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى