اراء

انتصارات الثورة السورية.. مكروا ومكر الله

بقلم: د. أدريس هاني..

يوماً بعد يوم، تظهر معالم الخيانة العظمى، وتنكشف فصول مسرحية انتصار الثورة السورية البليدة، لتتحوّل إلى لعنة ستتدفّق آثارها المدمرة على سائر المنطقة، لأنّ ما حدث بالفعل لا يقف عند إخراج سوريا من المعادلة، بل هو مقدّمة الواجب في مسار تصفية القضية الفلسطينية نفسها. وبالفعل، لقد اتضح أنّ ثورة النمر الوردي بالشام لعبت دور حصان طروادة في تمكين قوى النفوذ من احتلال الشام، بل مكنت الاحتلال من الرقص داخل تراب كان منيعاً.

وعلى هذا الأساس، كيف نجمع بين إسناد القضية الفلسطينية ومشاركة الاحتلال وحلفائه في هذا الاحتفال الكيدي بسقوط دمشق؟ كيف يفسر لنا سحلّيات الثورجية اجتماع النقيضين، وكيف تمخّض الربيع فولد إرهابا وخرابا؟.

إنّ اليوم الذي صفق فيه تيار الإخوان لسقوط دمشق، وهو ثأر أعمى ساعدهم على تجاهل تداعيات الحدث الخطير، بل شاركوا في إنجاح المخطط القذر وطعن سوريا من الخلف، سيدفعون ثمنه غاليا، ثمن المأكول حتما بعد أكل الثور الأبيض، وذلك لأنّهم حينئذ فقط وفقط، سيدركون أن دمشق كانت قلعة تحمي حتى الرجعية التي ستدفع الثمن باهظا حينما تصبح عارية في إقليم مهزوم بلا أنياب وميثاق عربي “بلا شوارب”. لقد أعطونا ما يكفي من دروس في المغالطة: هم يتباكون على قتلى معارك جرت بين جيش وطني وجيوش عميلة، ويخفون قتلى الإرهاب بل يدينونهم، إنّها مهزلة، إنهم يسخرون حتى من عقل أمّ الأربعة والأربعين.

ما حدث مؤخّرا في الأردن ليس غريبا، فلقد توقّعنا ذلك، لأنّ المعادلة متكاملة، وبأنّ التيار الذي زايد على قوى الإسناد في المنطقة، سيجد نفسه في العراء. فالانتهازية لا تستطيع أن تستمر من دون أن يلطمها مكر التّأريخ. وحين يشتد البأس، سنقول: هذا ما لمت عليه دمشق يوم كان التحريض على الدولة فيه بالعلالي، التّأريخ لا يكتبه الخونة ولا “المكوّعون”.

ولا أحد سيصدق شكوى المظلومية، لأنهم لم ينصتوا يوما لمظلومية الآخرين، فلقد كانوا دائما حملة نظرية المؤامرة مضافا إليها الكثير من بوازير الكيد المتطرف، لقد شمتت الملّة الظلامية في سقوط دمشق، وأكثروا في نسج سرديات تفيض كيدا وشيطنة لنظام كافح الإرهاب أكثر من 13 عاما. اليوم، اتضح أنّ البديل الذي يعبر عن النظام الجديد والحرية، يبيع الشعب في سوق النخاسة، ويبيع السيادة بالجملة، ويسعى لإكمال الفتنة في المنطقة، ويسلم الأرض للمحتل بوقاحة، وهو في ذلك لا ينتظر سوى الضوء الأخضر من القيادة المغولية لإكمال تقدّمه المرسوم له. وطبعا لن تكون المهمّة سهلة على النمر الوردي، لأنّ العراق وإن كان مكبّلا بكثير من الضغوط، إلاّ أنّ شعبه أكثر يقظة ومعرفة بمكر الثّعلب، بل أكثر هوسة لقلب الطاولة، وأمّا لبنان الذي يمر من ظروف صعبة نتيجة تضحياته الكبرى في عملية الإسناد، بعد سلسلة التشكيكات والاستهانة بتضحياته، فلن يكون لقمة سائغة، وهذا أقل مبرر لتقويض دعوى نزع السلاح، لأنّ التحدي بات مضاعفا، وما تبقّى هو “جعجعة” بلا طحين.

إنّ طعن دمشق من الخلف، عبر الخيانات العظمى، وانخراط تيارات الظلام في هذه المؤامرة القذرة، لن يفتح لهم أفقاً للتّنزّه في المنطقة، فلقد سكتت عنهم دمشق وطمعت وربما أطمعها من يجهلون الملّة المسمومة بإمكانية اللّقاء على مائدة “الهرغمة”، لكن لا أحد جرّب هذه الملّة ونجا من كيدها وغدرها. سقوط سوريا الذي سيكون لعنة مرسومة على وجوههم التي عليها غبرة وسترهقها قترة، وسيتوالى عليهم ما بيّتوه لغيرهم، وكلّ سيأتي دوره جزاء وفاقا.

ستجمع العصابة الماكرة حقائبها وترحل، وسوف تؤوّل تفكيكها بالأردن بألف ليلة وليلة من السرديات، وسيكون في مقدّمتها ما يلي:

– إنّها رغبة إسرائيل وأمريكا، ولكن ما الجديد، فلقد كان التطبيع حكاية قديمة تعايش معها الإخوان، بل في مواقع أخرى وقّعوه، لماذا فقط الآن القرار من الاحتلال؟.

– إنّها الرغبة الإماراتية، ولكن متى كانت العلاقات متوترة بين البلدين؟ هذا بينما تأريخ الإخوان وميلادهم الثاني تمكينا وتمويلا كان من الخليج كلاّ وهو اليوم لا يزال من بعضه.

هناك محور يضحي، وهناك “برّاحة” يتمثلون انتصارات غيرهم، والغريب أنهم لا وفاء لهم، ولا يبكون رموز من ضحّى ووفى، حالة من الفرقشة النّضالية عارمة، سيكتبها التأريخ بمداد الأسى والحيرة. فتيار الغدر والظلام جلب الهزائم مرة أخرى، وساهم في سقوط كيانات عربية، بينما هو مشغول في التمكين وتنفيذ مخططات سابقة، ترى أنّ الجماعة أهم من المجتمع، والتنظيم أهمّ من الأمة.

تجربة جامدة تتمادى في عودها الأبدي، كلّما تمكّن هذا الرهط كلّما استلّ خنجر الغدر وبادر إلى التآمر والطِّعان، وكلما وقع على منخره رفع شعار المظلومية، فرّار غير كرّار متى اشتدّ الخطب، منشار حديد الأسنان، مفترس صعودا ونزولا.

بعد كل هذا، قلنا ولا زلنا نقول: “انتبهوا لمكر التّأريخ، فهو تجلٍّ لمكر الله الأعظم”.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى