هل تنصل الادعاء العام من مهامه ليبتعد عن أذى الأحزاب ؟!


لا تنفك الفضائح السياسية تطفو على السطح بين مدة وأخرى، بعضها لمسؤولين بارزين وأسماء لامعة في العملية السياسية، وبعضها الاخر لأشخاص بعيدين عن الاعلام، فمن نائب يعترف باستلامه مبلغ مليون دولار على شاشات التلفزيون، الى وزير يتهم نواباً بالابتزاز، وآخر يمتلك وثيقة عن تهريب أكثر من 6 مليارات دولار، بينما يسجل المتابعون الادعاء العام غائباً عند اية حادثة مشابهة، لكونه أهم المعنيين بهذه القضايا. وبحسب النظام القضائي العراقي، فإن الادعاء العام هو الشريك وليس التابع لرئيس مجلس القضاء الاعلى في سلطة واسعة ومطلقة بموجب القانون، وليس كما اقرها آمر سلطة الائتلاف المؤقتة CPA)) المرقم 35 لسنة 2003 (أعادة تشكيل مجلس القضاء) في 18/9/2003 في مجالها الرقابي والقضائي وفصلها عن وزارة العدل. ومن مهام الادعاء العام ايضاً؛ التحكم بالقرار القضائي والسياسة القضائية العليا بتحريك الشكوى لصالح المجتمع ومتابعة الاموال المهربة أو حمايتها. ويرى القانوني محمد المعموري، ان “اساس حدود السلطات الاتحادية هو الفصل بين السلطات بحكم الدستور، وتكمن أهمية ودور الشراكة بين جهاز الادعاء العام الذي هو جزء من السلطة القضائية مع السلطة التنفيذية في مسائل حماية مالية الدولة والمؤسسات الحكومية والشركات العامة والأسرة من (العوز والفاقة) والطفولة من (التشرد والتسول) هي خروقات قانونية وأوضاع اجتماعية تحتاج الى جهاز فعال ومستقل”، لافتاً الى ان الحديث هنا عن الحقوق الخاصة التي يقررها القضاء العادي. ويضيف المعموري: “أن يتنصل الادعاء العام عن مسؤولياته الدستورية أو القانونية بحجة أن قراره خاضع لرئيس مجلس القضاء الأعلى، وهو من يتحكم بالقرار القضائي والسياسة القضائية العليا بتحريك الشكوى لصالح المجتمع ومتابعة الاموال المهربة أو حمايتها هو مخالف لتفسير نص المادة (89) من الدستور العراقي لسنة 2005″، والتي تنص على ان “تكوَّن السلطة القضائية الاتحادية، من مجلس القضاء الاعلى، والمحكمة الاتحادية العليا، ومحكمة التمييز الاتحادية، وجهاز الادعاء العام، وهيئة الاشراف القضائي، والمحاكم الاتحادية الاخرى التي تنظم وفقاً للقانون”. ففي مقابلة تلفزيونية سابقة مع النائب مشعان الجبوري، اعترف الأخير باستلامه مبلغ مليون دولار من أجل اغلاق ملف فساد لأحد المسؤولين، لكونه أحد أعضاء لجنة النزاهة البرلمانية المعنية بتناول الملف، لكنه قال بأنه “استلم المبلغ ولم يغلق الملف”. أما وزير الدفاع المقال خالد العبيدي المتهم ايضا ، فقد كشف خلال استجوابه داخل مجلس النواب عن عمليات ابتزاز مورست بحقه من قبل رئيس مجلس النواب سليم الجبوري، والنائب محمد الكربولي، والنائبة عن ائتلاف دولة القانون عالية نصيف، ليحمل بعدها الوثائق التي يمتلكها الى السلطة القضائية، ويرجع بخفي حنين، حيث برأت المحكمة سليم الجبوري لعدم كفاية الأدلة، في مساجلة انتهت بإقالة الوزير بالأغلبية (25 آب 2016). ولم تتوقف الاتهامات والفضائح عند هذا الحد، بل ازدادت لتتكلم عن مبالغ خيالية، مارس العراق جميع الوسائل الممكنة للحصول على قرض أقل منها قيمة من صندوق النقد الدولي. فبعد استجوابه، والتصويت على عدم القناعة باجوبته، قال وزير المالية هوشيار زيباري انه “يمتلك وثائق تثبت تهريب شخص واحد مبلغ 6.5 مليارات دولار”، ما أدى الى تشكيل لجنة برلمانية خاصة للبحث في ادعاء الوزير، ومعرفة حقيقة المبالغ المهربة. وبحسب المساحة التي يتمتع بها الجهاز، فإنه يستطيع رفع دعوى قضائية ضد كل من وردت أسماؤهم للتأكد من صحة الاقوال، ومتابعة الأموال التي تحدثوا عنها، وحالات الابتزاز، والفساد المالي. وعلى خلفية تصريحات الوزير زيباري، كشف الخبير القانوني عباس العلي، عن اشتراك وزير المالية هوشيار زيباري، بجريمتين، فيما طالب الجهات المعنية باتخاذ الاجراءات اللازمة بحقه. وقال العلي لـ(و1ن نيوز)، ان “زيباري تستر على أسم الشخصية التي هَربت مبلغ 6 مليارات و455 مليون دولار، الذي روى قصته في اللقاء المتلفز، وهذه تعد جريمة في القانون العراقي سيما وهو يملك الأوراق التي تثبت هويته”، مبينا ان “القانون يحاسب على التستر ويعدها جريمة، والتي قد تكون دوافعها الإبتزاز إنموذجا”. وأضاف الخبير القانوني: “كل موظف أو مكلف بخدمة في دوائر الدولة العراقية، يحتم عليه (قانونيا) ان يبادر طوعا للجهات المختصة من اجل الادلاء بما لديه واتخاذ الاجراءات اللازمة، حين تصل الى مسامعه أو تصبح لديه وثيقة بحدوث جريمة فساد أو حتى الشك بحدوثها”، مشيرا الى ان “التكاسل في أداء الواجب الوظيفي للوزير هي جريمة ثانية”. ولفت الى ان “الوزير بهذين الأمرين يمثل اشتراكه بجريمتين يحاسب عليهما القانون، ولابد من اتخاذ الإجراء بذلك وعدم التقاعس عن ذلك”. يشار الى ان القضاء العراقي، وعلى الرغم من الاحاديث التي تدور حول الفساد، ولم يسبق له ان حكم ضد مسؤول بارز أو ادانه بتهمة “الفساد المالي”، حيث يعزو ذلك الى ان القضية لا بد ان يكون هناك من يحركها ضد المتهم، ومن ثم يقوم هو بالبت بها، ملقياً بالدور على الادعاء العام، أو الشخص الذي يمتلك الأدلة الكافية للإدانة. جدير بالذكر ان المتحدث باسم مجلس القضاء الاعلى عبد الستار بيرقدار أعلن في بيان له ، ان “الادعاء العام يطلب رسمياً من وزير المالية هوشيار زيباري ايضاح أقواله بخصوص اسم الشخص الذي ذكره في احدى وسائل الاعلام المحلية بأنه قام بتحويل مبلغ مالي قدره ستة مليارات ونصف المليار دولار إلى حسابه الشخصي”.



