التدبر في القران الكريم

الاختلاف بين المسلمين هو نتيجة طبيعية لعدم فهم القرآن الكريم بالشكل الصحيح، لأن الله سبحانه وتعالى هو نفسه الذي حدد الكتاب والسنة لحل الاختلاف بين المسلمين وهم اليوم متفقون على حجتيهما، لكن مع ذلك هم مختلفون وكل يوم يشتد الاختلاف بينهم الى درجة اصبح صوت المشايخ الذين يكفرون المسلمين اعلى من صوت القرآن وجعلوا انفسهم مكان الله ويصنفون البشر هذا كافر وهذا مسلم وذاك مرتد، مع انهم لو يفهمون القرآن يدركون ان التكفير محرم، ولكن القليل من المسلمين من يتدبر ويتعمق في القرآن الكريم ويأخذ الفكر الاسلامي من معدنه الاصلي وليس من مشايخ التكفير!.
من هنا اصبح التدبر في القرآن الكريم حاجة ملحة لكافة المسلمين وضرورة فردية لإنقاذ الشخص نفسه من براثن الضياع والتيه التي جذبت ملايين الناس الى قاع السقوط، ونحن في هذا العصر الذي تزداد فيه الفتن فتكا بالناس نرى رسول الله واهل بيته صلى الله عليهم اجمعين يشيرون الى القرآن الكريم بانه المنقذ عند تلاطم الفتن وفي هذا المقام قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (فإذا التبست عليكم الأمور كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن، فإنه شافع مشفع وماحل مصدق، من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار، وهو الدليل يدل على السبيل، وهو كتاب تفصيل وبيان وتحصيل، هو الفصل ليس بالهزل، وله ظهر وبطن، فظاهره حكم الله وباطنه علم الله تعالى، فظاهره وثيق، وباطنه له تخوم، وعلى تخومه تخوم، لا تحصى عجائبه ولا تبلى غرائبه، فيه مصابيح الهدى ومنار الحكمة، ودليل على المعرفة لمن عرف النصفة، فليرع رجل بصره، وليبلغ النصفة نظره، ينجو من عطب ويتخلص من نشب فإن التفكر حياة قلب البصير، كما يمشي المستنير والنور يحسن التخلص ويقل التربص).
وفي مثل هذه العتمة التي نسير فيها احوج مانكون الى القرآن الكريم ليضيء لنا دروب الحياة من خلال التدبر في القرآن الكريم لان القراءة وحدها لا تكفي لمشاهدة النور الذي يسطع من القرآن الكريم وفي هذا قال الإمام علي عليه السلام (ألا لا خير في قراءة ليس فيها تدبر، ألا لا خير في عبادة ليس فيها تفقه).
والمرء ذو البصيرة هو الذي يستطيع ان يشاهد هذا النور ومن اقفل قلبه بحب الدنيا والاهواء المضرة لن تسطع له تلك الانوار وقد تحدث الله سبحانه وتعالى عن ذلك وذكر انه على قلبه اقفال لا يستطيع معها رؤية جمال القرآن الكريم (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها) التدبر: هو التأمل والتفكر في آيات الله واستخلاص العبر منها، والتعرف على اهدافها وغاياتها، والرسائل التي يريد الله سبحانه ان يوصله الينا من خلالها، وبسبب وجود الاقفال المتراكمة على القلب لن يكون الانسان مستعدا في كل الاوقات للتدبر وبسبب الذنوب يجد الانسان صعوبة في ان يتوجه الى القرآن الكريم لذا يجب ان يكون على وضوء حتى يستشعر الروحانية في قلبه والقرب من القرآن الكريم عندها سيتمكن من كسر الاغلال والاقفال الصدأة الموجودة على قلبه.
ومن ضمن عوامل التهيئة النفسية ان يأتي المتدبر في القرآن الكريم بروحية التتلمذ والتعلم وان يتبع هذا المنهج:
اولا/ طرح الاستفهامات على الآية: يسأل المتدبر؛ لماذا قال الله سبحانه وتعالى هذه الكلمة في هذه الآية ولم يقل كلمة مشابهة او مرادفة لها؟ لماذا اتت العبارة بهذه الطريقة ولم تأت بطريقة اخرى؟ لماذا اتت هذه الكلمة في مثل هذا الموضع؟ وماهي العلاقة بين الكلمات والعبارات المختلفة؟ والكثير من الاسئلة التي يطرحها المتدبر على آيات القرآن الكريم ويحاول الاجابة عنها من خلال الاستعانة بالعلوم الموجودة واهمها اللغة العربية.
ثانيا/ القرآن يفسر بعضه بعضا: الكلمة التي نحن بصددها ونريد ان نعرف معناها هي واردة في مواقع مختلفة من القرآن الكريم وربما نجد مايتمم معناها في آيات اخريات وعلى سبيل المثال نقرء في سورة الفاتحة (صراط الذين انعمت عليهم) وهنا نجري بحثا في القرآن الكريم عن الذين انعم الله عليهم سنجد آية اخرى توضح لنا ببساطة من هم هؤلاء؟ والآية تقول (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا) ، فهذه الآية بينت لنا من هم الذين انعم الله عليهم! وهنا نصل الى اكتشاف عميق يزيد الفرحة واليقين في قلوبنا بعظمة القرآن الكريم وانه من عند الله.
ثالثا/ الاستعانة باللغة العربية: يستعين المتدبر في القرآن الكريم بقواميس اللغة العربية لتحديد المعنى الدقيق للكلمة التي جاءت في الآية الكريمة، وذلك ان القرآن الكريم نزل باللغة العربية ومن اجل فهمه يجب ان نطلع على معنى الكلمة التي نريد التدبر فيها من كتب اللغة العربية.
رابعا/ الاستعانة بتفسير اهل بيت النبوة: هناك كلمات لايمكن ان يصل الى عمقها الا امام معصوم ولو دققنا في التفاسير التي لاترجع الى النبي واهل بيته عادة مايشوبها الخطأ ومنها تفسير هذه الآية في قصة النبي يوسف عليه السلام مع زليخا (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ۖ وَهَمَّ بِهَا….) فللوهلة الاولى يظن القارئ ان ماقامت به زليخا هو شبيه لما اراد يوسف عليه السلام ان يفعله بمعنى انه هو الآخر عزم على ارتكاب المعصية والقول بذلك هي جريمة بحق نبي معصوم، بينما نحن الشيعة وبسبب اعتمادنا على تفسير الائمة من اهل البيت صلوات الله عليهم عصمنا الله من الوقوع في الخطأ ونجد في تفسير الامام الرضا عليه السلام لهذه الآية (ولقد همت به وهم بها) فإنها همت بالمعصية وهم يوسف بقتلها إن أجبرته لعظم ما داخله فصرف الله عنه قتلها والفاحشة.



