اخر الأخباراوراق المراقب

الرضا.. قوة النفس ورؤية المستقبل الثاقبة

محمد علي جواد تقي..

الرغبة الجامحة في إحراز الأكثر بعالم الماديات وعالم المعنويات، تدفع الى بذل المزيد من الجهد مع الأمل والتطلع الى البعيد، وعدم الاقتناع بالموجود مهما كان.

وهذا يُعد حالة صحية في مسيرة التكامل الاجتماعي والاقتصادي، في تكوين أسرة من خلال الزواج رجاء الإنجاب، وقبلها توفير فرصة عمل تغطي تكاليف المعيشة، وفي مختلف نواحي الحياة، وفي الآية الكريمة التي تحدثت عن لسان رسول الله، صلى الله عليه وآله، فيما يتعلق بمسألة علمه بالغيب: {وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ}، وهو دليل مشروعية الاستكثار في طريق الحق.

ولكن! هذه الحالة لا تُعد صحية عندما تكون لتجاوز الوضع القائم المقدّر للإنسان من الله –تعالى- فثمة أمور قابلة للاكتساب، أو التغيير، مثل العلم والمال، بينما أمور مقدّرة وفق حكمة معينة، كأن يكون مستوى فقيراً، أو يعيش فاقداً أحد أطرافه، او يكون بصيراً، أو يكون وضعه الاجتماعي ليس بمستوى طموحه، كأن يكون زواجه دون إنجاب، أو يكون ثمة إنجاب، ولكن إنجاب اطفال معاقين، او عدم دخول الكلية ذات التخصص المرموق مثل الطب او الهندسة، وما الى ذلك من أمثلة لا تُعد.

لذا يُعد الرضا من المفاهيم المقدسة في الاسلام ذات البعد النفسي والاجتماعي، المؤثر مباشرة في مراقي السعادة بالحياة، وجاءت تأكيدات وافرة من المعصومين في فضيلة الرضا، وأهميتها في عقيدة الانسان المؤمن الى درجة أن يعدها أمير المؤمنين في “غُرر الحكم” أصل الدين: “الدين شجرة أصلها الرضا والتسليم”، كما جعلها، عليه السلام، معياراً للعقل: “حدّ العقل النظر في العواقب و الرضا بما يجري به القضاء”، كما جاءت المحاذير من السخط والتذمّر، وفي نفس المصدر عنه، عليه السلام: “من تسخّط بالمقدور حلّ به المحذور”.

ماذا يصنع عدم الرضا؟

من المفاتيح السحرية للتنمية والتقدم في الحضارة الاسلامية، الدعوة لاستثمار القدرات المتوفرة وعدم تجاهلها بدعوى الاستزادة منها، او رجاء الحصول على الأكثر، وكان هذا أحد اسرار تقدم المسلمين علمياً واقتصادياً في فترات تأريخية متفاوتة، و أول درس كان من رسول الله، صلى الله عليه وآله، مع ذلك الرجل الطامح لتغيير وضعه المعيشي من الفقر الى الغنى، فنصحه الرسول بالرضا بما عنده، وكان من المصلين المواظبين على أداء الفرائض خلف رسول الله في المسجد، وبعد الإلحاح، أعطاه النبي الأكرم درهماً واحداً وقال له: خذ هذا الدرهم واسترزق منه علّ الله يفتح عليك ابواب الرزق –مضمون الرواية-، وهو ما حصل بالفعل، فقد انفتحت عليه أبواب الرزق وانمهرت عليه الارباح ببركة ذلك الدرهم الذي اشترى به لبناً ثم باعه وحصل درهمين، ثم اشترى كبشاً وباعه و ربح عليه، وهكذا، تدرج من البيع الى الشراء ليصبح مالكاً لعدد كبير من الاغنام والماشية، وذات يوم سأل عنه رسول الله، لأنه افتقده من الصف الأول في صلاة الجماعة، فقيل إنه تحول الى تاجر للماشية، فجاء النبي الأكرم الى متجره زائراً وطلب منه ذلك الدرهم، فأعاده اليه، ومنها بدأت تجارته في التراجع حتى عاد ذلك الرجل الفقير ذو الدخل المحدود والمواظب على صلاة الجماعة، وعلى الاحكام الشرعية، لأنه –حسب الرواية- امتنع عن إعطاء الخمس مما يغنم من تجارته عندما وجد الرقم عالياً! .

وثمة اعتقاد أن الرضا بالضرورة يكون في عالم المادة، بينما يمكن أن يكون في عالم المعنويات وهو الاكثر تأثيراً في مسار الحياة، فذلك الرجل كان مفترض به الاستفادة من قربه الى رسول الله أن يستزيد من المعارف والعلوم ليسمو كما سما شخص مثل أبي ذر، وكان فقيراً ايضاً وبشكل مدقع، ولكن حالته المعيشية لم تدفعه يوماً لأن يسأل عن المال، بقدر ما كان يبحث عن الحكم والوصايا من لسان رسول الله، فخلّف لنا تركة عظيمة بعنوان: “وصايا رسول الله الى أبي ذر”، في قصة معروفة عندما جاء الى المسجد و وجد النبي جالساً لوحده فاغتنم الفرصة الذهبية والتأريخية.

ونفس الامر نجده في محيطنا الاجتماعي وكيف أن عدم الرضا بما يقسم الله للإنسان يصيب النفس بفيروس القلق وعدم الاستقرار، وأيضاً؛ بالغضب والانفعال لأبسط شيء يفتقده، ثم يتحول الى ورم خطير تمنعه من رؤية نِعم عظيمة حوله مثل امتلاكه البيت، والسيارة، والاولاد الأصحاء، والزوجة الصالحة، والمردود المالي الجيد، إلا أن الشكوى من أشياء مفقودة تحجب الرؤية عن أشياء كثيرة موجودة بسبب عدم الرضا والسخط المستمر على ما يصفه البعض “الحظ العاثر” لأنه لم يحصل على تلك الوظيفة المرموقة، او البيت الأكبر في المنطقة الأرقى، أو أن تنجب له زوجته ولداً ذكراً، وليس فقط إناثا!

لابد من تسليط الضوء على الفارق بين الصبر والرضا، فالصبر يمثل قيمة أخلاقية سامية، وفي طريق التعامل مع الابتلاءات والتقديرات لابد أن تقترن بالرضا وتكون خطوة أولى لها، فأحياناً يصبر على الانسان على مكروه يصيبه على مضض، مثل موت عزيز، او تعرض بيته او محله التجاري لحريق، فهو يضبط على أعصابه لئلا يظهر الحزن، بيد أنه ينفجر من مكان آخر عندما يلقي على الآخرين مسؤولية ما حدث وإن كان جوراً، ليوفر لنفسه الراحة والسكينة التي يفترض أن يوفره الرضا.

وقبل الختام؛ أن الرضا والتسليم لا يعني بأي حال من الاحوال التقوقع والتكاسل وعدم المضي في دروب الحياة بدعوى “القبول بالموجود”، بقدر ما يفتح أمامنا آفاقا معرفية تجعل حرماننا من شيء، أو تعرضنا لمصيبة ما، بمنزلة المفتاح لسعادة كبيرة في الدنيا والآخرة، وهذا الذكاء كان يحمله الأنبياء والأولياء الصالحون.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى