كيف يكون النصر إلهياً؟

تجدر الإشارة إلى أنّ ما يُعطي موجودات عالم الإمكان وأحداثه قيمة مضافةً إلى قيمتها المعهودة، أو فلنقل ما يُعطي الأشياء غير المقدّسة قداستها ويُضفي عليها قيمة معنويّة أو أخلاقيّة هو بعض الملابسات والخصوصيّات التي تحيط بها فترفعها من مرتبة إلى أخرى. والأمثلة على هذا الترقّي القيميّ للأشياء كثيرة منها مثلًا: الحجر والورق ومساحة محدّدة من الأرض. فالحجر شيء ماديّ لا احترام ولا قداسة له، وأما عندما يدخل في بناء المسجد الحرام فإنّه يكتسب قداسة تفتقدها بقية أنواع الحجارة. والورق يجوز استعماله في إشعال النار أو في غير ذلك، ولكن عندما تكتب عليه أسماء الله أو آيات القرآن الكريم ويتحوّل إلى مصحف يكتسب قداسة تحرّم تنجيسه أو إحراقه كما تحرّم مسّه على غير المطهّرين.
والأرض يجوز استعمالها في مصالح الإنسان مهما كانت هذه المصالح وضيعة أو رفيعة، وعندما تتحوّل إلى مسجدٍ تتبدّل أحكامها ويحرم دخولها على الإنسان في بعض الحالات كالجُنب والحائض، ويحرم تنجيسها، وإذا حصل وتنجّست يجب تطهيرها في أقرب أزمنة الإمكان.
والنصر حدثٌ من الأحداث التي تصيب الإنسان، فإذا طلب لأجل الله واستثمر في سبيل الله كان نصرًا إلهيًّا وكانت كلّ قطرة بذلت في سبيل الحصول عليه طاهرة بمقاييس المعنى ومقدّسة ليس فوقها برّ: “فوق كلّ ذي برٍّ برٌّ حتى يقتل الرجل في سبيل الله، فإذا قتل في سبيل الله فليس فوقه برّ”، ولأجل هذا يُقتل الشهيد كما يعبّر الله عزّ وجلّ: ﴿إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾، نعم يُقتَل ولكنّه لا يموت كما ينبئنا الله سبحانه في آية أخرى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾.
وهذا المعنى يعبّر عنه بأحسن طريقة وأبلغها قوله عزّ وجلّ: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾.
وفي مقابل هذا النصر الذي يقع في صراط الله عزّ وجلّ وفي سبيله، نجد نصرًا وتمكينًا آخر يُستثمر بطريقةٍ أخرى يخبرنا الله عزّ وجلّ عنها بقوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاء عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾، فالتمكين الأوّل إلهيٌّ لأنّه يصبّ في المقاصد التي يريدها الله عزّ وجلّ بخلاف الثاني.



