العقل الواعي في مواجهة الفوضى المعرفية

صباح الصافي..
يشهد الإنسان المعاصر تحوّلًا ملحوظًا في منظومة المعرفة وأنماط الحياة، نتيجة التَّسارع غير المسبوق في التَّطورات التكنولوجيَّة وتداخل العوامل الاجتماعيَّة والفكريَّة وفي خضمّ هذا التَّحوّل، لم يعد النَّجاح مرهونًا بامتلاك المعلومات فحسب؛ وإنَّما أصبح مرتبطًا بامتلاك وعيٍ ذكيٍّ قادرٍ على إدارة المعرفة، وتحليل الواقع، واتِّخاذ القرار في ضوء رؤيةٍ متوازنة تجمع بين القيم والثَّوابت من جهةٍ، والمرونة والتَّكيُّف من جهةٍ أخرى. ومن هنا تظهر الحاجة إلى إعادة بناء منظومة التَّفكير على أسسٍ أكثر إحكامًا، تستوعب تعقيدات العصر من دون أن تفقد البوصلة الأخلاقيَّة.
إنَّ الوعي الذَّكي هو حصيلة تفاعل مجموعةٍ من المهارات والقدرات، في مقدِّمتها حسن توظيف التكنولوجيا، والقدرة على استشراف العواقب، والمرونة في صياغة الأهداف. وهذه المحاور تعكس تحوّلًا في طريقة التَّفكير، ينتقل بالإنسان من الاستجابة اللحظيَّة إلى الفعل الواعي الموجّه.
وأضحت التكنولوجيا في الوقت الحاضر منظومةً متداخلةً في نسيج الحياة اليوميَّة، حتَّى بات حضورها يلازم الإنسان في أنماط تفكيره وإدراكه وتفاعله مع العالم. ولم يعد التَّعامل معها مقتصرًا على كونها أدواتٍ جامدة، وإنَّما غدت إطارًا معرفيًّا يعيد تشكيل آليات الفهم، ويوسِّع من حدود التَّصوّر الإنساني للواقع، عبر ما تتيحه من إمكانيات تحليليَّة وتواصليَّة غير مسبوقة.
إنَّ تتبُّع المسار التَّأريخي للتكنولوجيا يكشف عن تحوّلٍ تراكمي بدأ باختراعات بسيطة، غير أنَّها أسَّست لتركيبةٍ معرفيَّةٍ أخذت في الاتِّساع مع تعاقب الأجيال. ومع كلِّ مرحلةٍ تطوريَّة، كانت حدود المعرفة تُعاد صياغتها وفق معايير جديدة، حتَّى بلغنا طورًا تتداخل فيه العوالم الرَّقميَّة مع الواقع المادِّي، بحيث لم يعد بالإمكان الفصل بينهما على مستوى التَّجربة الإنسانيَّة. وفي ظلِّ هذا التَّحول، أصبح الوصول إلى المعرفة أكثر انسيابيَّة، وانتقلت العمليَّة المعرفيَّة من نمطها الخطي التَّقليدي إلى نمطٍ شبكيٍ مفتوح، يتيح للإنسان الاطِّلاع على مصادر متنوعة من الكتب والمقالات والدِّراسات العلميَّة في زمنٍ وجيز.
كما ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام): “قِيمَةُ كُلِّ امْرِئٍ مَا يُحْسِنُه”، وهو معيارٌ يربط قيمة الإنسان بقدرته على توظيف ما يمتلكه من معارف ومهارات، لا بمجرَّد امتلاكه لها.
وعليه، فإنَّ الاستفادة من التكنولوجيا لا تنحصر في توسيع دائرة الوصول إلى المعلومات، وتتجاوز ذلك إلى بناء وعيٍ نقديٍ قادرٍ على التَّمييز بين الغثِّ والسَّمين، واستثمار الإمكانيات الرَّقميَّة في تعميق الفهم، لا في تكثير المُعطيات فحسب. فالتكنولوجيا، ضمن هذا الإطار، تمثِّل وسيلةً معرفيَّةً متقدِّمة، تتطلَّب من المستخدم وعيًا منهجيًّا يوجّه استخدامها نحو تحقيق الغاية الأسمى من العلم، وهي الارتقاء بالإنسان فكرًا وعملًا.
وفي هذا المجال، يقدِّم القرآن الكريم أصلًا معرفيًّا راسخًا في ضرورة التَّثبُّت من الأخبار، حيث يقول (تعالى): (فَتَبَيَّنُوا)، وهو توجيهٌ يؤسِّس لقاعدةٍ منهجيَّةٍ في التَّحقق قبل البناء على المعلومات، وهي قاعدة تزداد راهنيتها في العصر الرَّقمي الذي تتسارع فيه عمليَّة تداول الأخبار من دون تمحيص.
ومن زاويةٍ أخرى، فإنَّ الإفراط في الاعتماد على الوسائط الرَّقميَّة قد يُفضي إلى نوعٍ من الانفصال التَّدريجي عن التَّجربة الواقعيَّة، ويؤثِّر في القدرة على التَّفكير المستقل، نتيجة الاعتياد على التَّلقّي السَّريع بدل المعالجة المتأنية. ولهذا تبرز ضرورة إقامة توازنٍ معرفيٍّ يجمع بين الاستفادة من التقنيات الحديثة والانخراط في التَّفاعل الاجتماعي المباشر، بما يثري التَّجربة الإنسانيَّة ويمنحها أبعادها الحسيَّة والوجدانيَّة.
إنَّ تحليل العواقب يقوم على إدراك التَّرابط السَّببي بين الأفعال ونتائجها، بحيث يُنظر إلى القرار بوصفه حلقةً ضمن سلسلةٍ من التَّفاعلات المتراكمة فالفعل البسيط، الذي قد يبدو محدود الأثر في ظاهره، يمكن أن يُفضي – عبر تتابع نتائجه – إلى تحوّلاتٍ تمتدُّ على المدى البعيد. وعليه، فإنَّ التَّفكير في المآلات يتجاوز حدود رصد النَّتائج الآنيَّة، ليشمل بناء تصوّرٍ استشرافيٍّ يعتمد على قراءة السِّياقات، وتقدير الاحتمالات، واستحضار ما يمكن أن يترتَّب على القرار من آثارٍ مباشرةٍ وغير مباشرة.
وقد أكَّد القرآن الكريم هذا البعد الاستشرافي، عن طريق ربط الفعل بنتيجته ضمن منطقٍ دقيق، كما في قول الله (جلَّ جلاله): (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)، وهو توجيهٌ يرسِّخ وعيًا يتجاوز الحاضر إلى استحضار المستقبل بوصفه امتدادًا طبيعيًّا لما يُزرع في الحاضر. كما يشير قول الله (تعالى): (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ* وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) إلى دقَّة الارتباط بين الفعل وأثره، مهما بدا هذا الفعل ضئيلًا.
وفي تراث أهل البيت (عليهم السلام)، تتعزَّز هذه الرؤية بواسطة التَّأكيد على البصيرة في تقدير العواقب؛ فقد ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام): “مَنْ نَظَرَ فِي الْعَوَاقِبِ سَلِمَ مِنَ النَّوَائِبِ”، كما ورد عنه (عليه السلام): “مَنْ فَكَّرَ فِي الْعَوَاقِبِ أَمِنَ الْمَعَاطِبَ”، وقال (عليه السلام): “مَنْ نَظَرَ فِي الْعَوَاقِبِ سَلِمَ” في إشارةٍ إلى أنَّ استحضار المآلات يقي الإنسان من كثيرٍ من الأضرار التي تنشأ عن التَّسرُّع أو قصر النَّظر.
وفي روايات أهل البيت (عليهم السلام)، يتجلَّى هذا البعد بوضوحٍ أكبر؛ فقد ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام): “مَنْ نَصَبَ نَفْسَه لِلنَّاسِ إِمَاماً، فَلْيَبْدَأْ بِتَعْلِيمِ نَفْسِه قَبْلَ تَعْلِيمِ غَيْرِه، ولْيَكُنْ تَأْدِيبُه بِسِيرَتِه قَبْلَ تَأْدِيبِه بِلِسَانِه، ومُعَلِّمُ نَفْسِه ومُؤَدِّبُهَا أَحَقُّ بِالإِجْلَالِ، مِنْ مُعَلِّمِ النَّاسِ ومُؤَدِّبِهِمْ”، وهو توجيهٌ يحمل في طيَّاته إدراكًا لامتداد أثر السُّلوك الفردي في تشكيل وعي الآخرين.
كما أنَّ استشراف المستقبل يفتح المجال لبناء تصوّراتٍ استراتيجيَّة تقوم على الاستدامة بدل الإنجاز المؤقّت؛ فيتحوَّل القرار من استجابةٍ لحظيَّة إلى اختيارٍ موجّهٍ نحو غاياتٍ بعيدة، تنسجم مع منظومة القيم العميقة للفرد وقد أشار أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى هذا المعنى بقوله: “مَا أَصِفُ مِنْ دَارٍ أَوَّلُهَا عَنَاءٌ وآخِرُهَا فَنَاءٌ، فِي حَلَالِهَا حِسَابٌ وفِي حَرَامِهَا عِقَابٌ، مَنِ اسْتَغْنَى فِيهَا فُتِنَ، ومَنِ افْتَقَرَ فِيهَا حَزِنَ ومَنْ سَاعَاهَا فَاتَتْه، ومَنْ قَعَدَ عَنْهَا وَاتَتْه ومَنْ أَبْصَرَ بِهَا بَصَّرَتْه، ومَنْ أَبْصَرَ إِلَيْهَا أَعْمَتْه” في إشارةٍ إلى أنَّ النَّظر الواعي في الدُّنيا -بوصفها ممرًّا لا مقرًّا- يكشف حقائقها ويهدي إلى حسن التَّدبير.



